فريدة بوفتاس تكتب : السياسة والطبيعة الانسانية 

ونحن نقبل على هذا العالم عزلا، إلا من مورثاث جينية، يستقبلنا وفي جعبته الكثير والكثير .لنذوب فيه ويمتصنا الى ان يلفظنا ثانية حيث العدم .
لكن ،بين هذا المجئ الأعزل من كل ضمانات ،وذاك الغياب المحتوم ،ثمة رحلة نقطعها ،رحلة يختلف زمنها كما يختلف إيقاعها من ذات لأخرى ،إلا أنه رغم كل الاختلاف الذي يمكن ان يجعل تجربة كل واحد منا تتمتع بالفرادة والخصوصية ،بينما كل ذات تعيش تجربتها الوجوية في ظل شروط مادية تحكمها ،تشرط افراحها،أحزانها، معاناتها،لذاتها ،مخاوفها،تطلعاتها وطموحاتها رهاناتها....كل هذا يجعلها تجربة لا تنقل ولا يخبر عنها ،لانها كما يقول غاستون بيرجي كسجن منيع لا يمكن اختراقه من طرف الغير ،وهذا ما يجعل معرفة الغير( بوصفه ذاتا ) غير ممكنة المعرفة .
هذه التجربة المتفردة في خصوصيتها
المتنطعة عن كل معرفة أو إدراك ، لا تنفي كون ثمة ما تتشابه فيه هذه الذوات ،وما تجمع عليه ، وأعني هنا طموحات جماعية ربما تصل الى حد ان تكون كونية ،قد تعتبر ما يحقق وحدة النوع البشري وانسجامه ،وهو ذاك المتعلق بالسعي نحو تحقق وجود انساني مكتمل .
من هنا يمكن ان نتساءل : اي وجود انساني نريد ؟ 
لكن هذا الوجود المرغوب فيه لا يتم خارج الزمن أو خارج التاريخ ، فكيف يمكن ان ننجح في تحقيق وجود انساني"مكتمل."، في ظل واقع وشروط سياسية لا تسمح لبلوغ هذه الغاية ؟

ان الحديث عن كل من مفهومي السياسة والطبيعة الانسانية ،يضعنا أمام مفاهيم تشترك مع غيرها ،في كونها تملك تاريخا،كما تثير إشكالات وصعوبة امام مستعملها.
لنأخد مفهوم السياسة ،نجده فيما مضى يحيل على مفهوم السلطة ( سلطة الدولة )، وممارستها بالنسبة للمجموعات البشرية ،
تعريف يقوم على أن المسألة الرئيسية في السياسة هي سلطة الدولة ،واستمر هذا التعريف ساريا ليختصر في عملية اختيار من يحكم ،وهنا يفتح باب المنافسة او الصراع الذي قد يصل إلى حد ممارسة العنف من أجل بلوغ السلطة وممارستها. يمكن هنا تقديم نموذج مكيافلي ( كتاب الأمير ) ووصاياه الأمير التقنية ،التي تجعل منه عظيما يحفظ التاريخ اسمه ان هو لجأ إلى كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة ،مادمت الغاية تبرر الوسيلة .(المكر ،الكذب ،عدم الوفاء بالوعود ،القوة.. ) .
لكن ،في مقابل هذا التصور ،نجد آخر قد برز بين ظهراني الفكر الفلسفي ، يربط بين السياسة والعدالة ،ليتجاوز تصور السياسة على انها مجرد وصول للسلطة فقط ،وهنا سيتحول النقاش الى محاولة فهم وتحديد ماهية السلطة 
  العادلة . والمعايير التي تخضع لها ،في علاقتها بالجماعة، وما تراهن عليه هذه الأخيرة من مساواة وعدالة ، نقاش ينصب حول آليات تجعل السلطة تمارس غير بعيد عن العدالة ، وتتجاوز، بل تقصي  كل الانزلاقات، والفساد الذي حفل به تاريخ المجتمعات عبر التاريخ، نقاش يروم الكشف وفضح التناقض الموجود بين السلطة ممارسة  والعدالة كمطمح، والتي في غيابها ،يتعثر بلوغ كل وجود انساني كريم يوافق الطبيعة الانسانية الخيرة، كما الحرية التي يشعر بها والتي تجعله يقبل ويرفض .مما يزيد من تميزه عن الحيوان .

والحديث عن طبيعة انسانية ،طالما اسال مداد العديد من الفلاسفة والمفكرين، بين رافض للحديث عنها ( سارتر مثلا ،على اعتبار أن الذين آمنوا بها امثال ديدرو، فولتير ،كانط . ينطلقون من ان الماهية سابقة للوجود التاريخي الذي نصادفه في الطبيعة ،) مؤكدا أن الوجود هو ما يسبق الماهية ليجعل الانسان مشروعا يعاش بكيفية ذاتية ،ولا شئ يكون في وجوده سابقا على هذا المشروع .

رجوعا الى من يقول بوجود هذه الطبيعة الثابثة  لدى الانسان
نجد هوبز يعتبر ان العدوان طبيعته، مما يجعل بعضه لبعضه ذئبا،كذلك اعتبر فرويد هذا النزوع العدواني،  عاملا أساسيا يكمن وراء الخلل الموجود في علاقاتنا مع الآخرين، عدوانية تفرض أعباء كثيرة على الحضارة  وتهدد المجتمع المتحضرب" الانهيار " .
في حين يدافع جون جاك روسو ،عن الطبيعة الخيرة لدى الانسان ، وعن خاصية التدرج في الاكتمال ،التي تميزه عن الحيوان ، خاصية كشفت للانسان على مر الاجيال أنوار هديه ،وفضائله، كما كشفت له ضلالاته ورذائله، لكنها هي من جعله، مع تراخي الزمان، طاغية : طاغية نفسه ،والطبيعة .
فكيف يمكن لهذه الطبيعة الخيرة وهذا السعي للاكتمال، ان تجعلاه يصحح انزلاقاته، ويعيد تصحيح مساره الانساني من خلال تصحيح مساره السياسي ؟ كيف له أن يؤسس لسلطة عادلة من خلال ممارسة سياسية رفيعة عن ما يمس جوهر العدل في ذاته؟
هل يمكنه أن ينجح في ذلك وهو يلهث في تنافس قذر عن سلطة زائفة ،ام سيجد ضالته في بناء صرح سلطة عادلة بعد ان يقيم قطيعة مع كل الممارسات اللاأخلاقية التي سكنت مجال السياسة ؟
الى اي حد يمكنه أن يحقق ذلك في غياب إرادات سياسية عقلانية، حداثية المنحى ، ديموقراطية السلوك والمنهجية ،لكي يؤسس فعليا وواقعيا  لوجود انساني مكتمل طالما حلم به وسعى إلى ان يخرجه من وجود بالقوة الى وجود بالفعل .