ذ . عبد العزيز مومن يكتب : نقطة نظام .. رهانات مستقبلية حالة على ضوء تجربة أزمة كورونا

       لاشك أن أزمة فيروس كورونا وما نتج عنها من عواقب وخيمة على الصحة العامة للبشرية جمعاء ،وعلى ظروف العمل والاقتصاد والأعمال والمهن والأسفار ومختلف الأنشطة البشرية عبر العالم شكلت دروسا عميقة وتجربة مريرة وقاسية جدا ستبقى خالدة في التاريخ.                                        

        واعتبارا بأن بلادنا لم تشكل استثناء بدورها ،مثلها مثل باقي دول المعمورة فقد عانت ما عانته اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا وصحيا من مخلفات هذا الوباء الخطير والفتاك ،وذلك بتأثر كل الميادين والحرف والمهن والأنشطة التجارية والسياحية وغيرها تأثرا ليس له مثيل على الإطلاق.                       

        ونظرا لأن مهنة المحاماة مهنة خدماتية بالأساس ،فضلا عن كونها رسالة إنسانية  حقوقية ،فقد نالت حظها الوافر من الضرر الناتج عن الوضعية الوبائية العامة ،وبالتالي فإن المحاميات والمحامين المغاربة وجدوا أنفسهم في رمشة عين ضحايا هذه الوضعية الاستثنائية الخطيرة سواء في ما يتعلق بأداء مهامهم ورسالتهم النبيلة ،أو في ما يخص صحتهم وصحة أطفالهم وأسرهم على السواء.                                                                                    

         واعتبارا بأن أغلب التقارير المسترسلة الصادرة عن المنظمات الصحية العالمية تؤكد بأن هذا الوباء سيستمر في التزايد والتكاثر خلال السنتين المقبلتين على الأقل ،فإن الإستعداد النفسي والصحي والعملي لهذه الوضعية صار أمرا ضروريا للغاية.                                                                           

          ونظرا لأن ولاية المجالس المنتخبة الحالية قد أشرفت على نهايتها ،فإن السادة المحاميات والمحامين المرشحين للولاية المقبلة سواء لمنصب النقيب أو لعضوية المجلس ،مطلوب منهم بكل إلحاح وجدية أن يضعوا نصب أعينهم   

التحديات الضخمة والخطيرة التي تواجه القاعدة العامة للمحامين والمحاميات في هذا الصدد ، وأن يفكروا في ضرورة البحث عن مصحات تليق بمقامهم وعقد اتفاقيات معها على غرار الاتفاقيات التي أبرمتها التعاضدية العامة للمحامين مع الكثير منها ،على أن يحظى المحاميات والمحامون بمعاملة وأثمنة تفضيلية لهم ولأطفالهم وأسرهم حتى لايجدوا أنفسهم وأطفالهم فريسة لكل أشكال الإهمال  التي تشهدها المستشفيات والمستوصفات العمومية كما هو معروف ،وهي رهانات لا تكلف مالية الهيئة شيئا يذكر ،وفي الوقت نفسه يبعث على الاطمئنان والأمان بالنسبة للمحامين على صحتهم وصحة أسرهم على السواء.               

            ومن جهة أخرى ،فإن مؤسسة النقيب والمجلس مطلوب منهما أن يكونا وحدة قوية - وأسطر على القوة لأن لها شروطها الموضوعية والذاتية التي لاتتحقق أبدا إلا بتوفر هذه الشروط في النقيب والأعضاء ،وإن انتفت غابت بالضرورة مقومات المؤسستين معا بكل تأكيد كما يبدو من خلال واقع حال الكثير منها حاليا - وذلك من أجل تحقيق جو ملائم ومناسب للعمل اليومي للمحاميات والمحامين داخل فضائهم الطبيعي المعتاد الذي هو قاعات المحاكم وأقسام الشعب وأجنحة الإجراءات بها ،وأماكن التقديم والاستنطاق وغيرها من الأماكن التي يرتادها المحامون يوميا لأداء رسالتهم ومهامهم التي يمليها عليهم واجبهم وضميرهم المهني الذي يشكل هما كبيرا يحملونه على عاتقهم بشكل مستمر ودائم ،حتى أن ضغوطهم اليومية  الناتجة عن ذلك صارت تزداد يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة تطورت إلى هاجس كبير ومخيف في القطب المدني بقصر العدالة بعد جائحة كورونا.                                               

         وتبعا لذلك ،ومن أجل الخروج من هذا المأزق الكبير الذي يعيشه المحامون والمحاميات يوميا نظرا للتراكم السلبي المتزايد لهذا الوضع فإن المطلوب من المؤسسة المقبلة ( نقيبا قويا ومجلسا قويا متجانسا) أن يضعوا نصب أعينهم كأولوية الأولويات العمل مع السادة المسؤولين عن مختلف مكونات المنظومة القضائية ،على إيجاد حلول سريعة ومستعجلة لكل المشاكل المتراكمة التي تعترض المحامين والمحاميات وتعيق طريقهم نحو أداء مهامهم في أحسن الظروف والأحوال.                                                           

           ولعل التجربة التي فرضتها الحالة الوبائية من خلال تكوين لجان ثلاثية أو رباعية في مختلف المحاكم مع اعتماد المقاربة التشاركية والالتزام بنقاط التفاهم المشتركة والعمل على احترامها بشكل جدي في الواقع العملي ،وتطوير هذه التجربة لتشمل كل أطراف المنظومة برمتها ،وسد بعض الثغرات التي أفرزها الواقع العملي ،واختيار المسؤولين والساهرين عليها من ذوي الجدية والكفاءة وبعد النظر ، لعلها تكون أساسا ومنطلقا لما هو أفضل وأجود خدمة لمهنتنا وللعدالة ببلادنا.                                                                

       ومن هنا ، واعتمادا على المقاربة المتواضعة والمبسطة أعلاه ،فإن النهوض بمهنة المحاماة يتطلب الانخراط الفعلي وبسلاسة للمحاميات والمحامين في التوجهات الجديدة التي أملتها الثورة المعلوماتية ،التي تعتبر بمثابة قطار ينطلق سريعا فإما أن نسارع إلى ركوبه أو أننا سنخلف الموعد مع التطور والتقدم الذي تفرضه هذه المرحلة التاريخية المصيرية.                              

           كما إن الدروس العميقة التي خلفتها أزمة كورونا ولازالت تلقنها للبشرية جمعاء ،كرست الأهمية القصوى لتقعيد نظام التكافل الإجتماعي بما يضمن كرامة المحاميات والمحامين وكرامة أسرهم وأرامل المتوفين منهم ويتاماهم ،وذلك من خلال التمسك الصارم بهذا النظام الذي اختارته الأغلبية الساحقة من المحاميات والمحامين بعدما ذاقوا المحنة الكبيرة التي عاشوها خلال مرحلة الحجر الصحي قبل أشهر ،ولم تختره بشكل اعتباطي أو عشوائي ،ولذلك فإن الضرورة تقتضي رعاية هذا النظام والسهر على الإحتفاظ به وتطويره إلى يبلغ الحد الذي يرضي الفئات الواسعة من المحاميات والمحامين ويستجيب لطموحاتهم وتطلعاتهم حسب الحاجات التي يفرزها التطبيق العملي لهذا النظام والثغرات التي يمكن أن تظهر من خلال هذا التطبيق مع إشراك الجمعية العمومية في كل ما من شأنه تنمية موارده وتقوية مصادر تمويله والشفافية المطلقة في تسيير وتدبير ماليته لأنها ملك للجميع وليس للبعض فقط.                        

           كما إن نظام المساعدة القضائية الذي رصدت الدولة أموالا عمومية لفائدة المتقاضين رهن إشارة هيئات المحامين يجب إعادة النظر في الطريقة العشوائية الحالية للتعامل مع ملفاتها بعيدا عن منطق الاستمالة الانتخابوية الضيقة و الزبونية ومقولة " هاك أصاحبي، سير ضيم ياللي ممعاياش" في خرق سافر لكل الأعراف و التقاليد السامية لمهنة المحاماة التي ترتكز على العدل و الإنصاف ديدنا لها و هدفا ساميا لرسالتها.                                        

             وعموما فإن قوة مهنة المحاماة تكمن بالأساس في قوة مؤسساتها ،تلك القوة التي لاتعني الصراخ والتعالي والتجبر والنزوع نحو التسلط والدكترة بقدرما تعني نظافة يد القائمين على الشأن المهني ونقاء مسارهم المهني من كل مظاهر الإنحراف والفساد الإداري والشبهات المختلفة من جهة ،ومن جهة أخرى تكمن قوة مهنة المحاماة في الحرص الشديد على التصدي بكل شجاعة لكل ما من شأنه المساس من قريب أو بعيد بمالية الهيئة التي يجب أن تعتبر من أقدس المقدسات التي لايمكن تحقيق أي ورش أو برنامج مهما كانت درجة طموحه دون الحفاظ عليها وصيانتها ،وهو ما أبانت عنه تجربة كورونا كذلك وأفرزته بشكل جلي ولاغموض عليه ،فأصبح مبدأ ترشيد ثروات ومالية الهيئة من أولوية الأولويات التي يعد تخطيها أو محاولة المساس بها خطا أحمر لايسمح المساس به على الإطلاق.                                           لذلك فإن زمن السعي إلى الكرسي فقط من أجل نيل الصفة والاتكيت من أجل التباهي والتفاخر قد ولى مع جيل من الشباب والشابات كلهم طموح وحيوية وتطلع إلى مستقبل تسوده الكرامة والحرية والعزة لجميع ممارسي مهنة النبل والسمو والشرف : مهنة المحاماة العظيمة.                                   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- بقلم الأستاذ عبدالعزيز مومن / عضو مجلس هيئة المحامين بمراكش ،المكلف بالشؤون الاجتماعية / نائب أمين مال التعاضدية العامة لهيئات المحامين بالمغرب.