على خطى القصيدة... تأملات نقدية في المتخيل الشعري للصحراء من خلال أعمال الدكتور اسماعيل هموني

بقلم  الناقد محمد إكيدر/ المغرب

 

  1. تقديم:  حين يكون الشعر "فاكهة للطريق ":

      إذا كانت الفلسفة محبة الحكمة (1) فإن الشعر محبة الجمال، ومن تمة كان قدر الشاعر، في أي زمان ومكان، أن يفكر بقلبه بقدر ما يحس بعقله، ويطلق العنان للحلم ليسافر عبر قصائده إلى أقاصي الروح، وليتلمس مسالك  البهاء  الكامن في عالم المطلق، لكن لن يتأتى له ذلك إلا حين يعيش تجربة الدهشة التي توقظ فيه الإحساس بالوجود، وتجعل قصائده تنبعث في كل قراءة من رمادها كطائر الفنيق؛ حيث تتعالى سلطة الجمال على سلطة الزمن.           

    بهذا الإحساس، وجدتني أقرأ الأعمال الشعرية (2) للدكتور إسماعيل هموني؛ المنبثقة من وجدان ملتهب وقريحة تفتحت فصارت وردة كالدهان، تفوح بأريج المجاز وصنوف البيان. ويشكل ما راكمه الشاعر، بحق، إضافة نوعية للمنجز الشعري المغربي وصوتا مغردا في سماء الإبداع، رسم، من خلاله، حساسية شعرية لها طعمها وعبقها المتميزين عما سبقها من تجارب؛ مما يميط اللثام عن نسق شعري متفرد ورؤيا جمالية واعية بموضوع اشتغالها.

      وكما أن الشاعر يغزل نصه بإحساس مرهف، ويطرزه بصنوف الجمال، فإن قراءة هذا النص تستدعي من القارئ الحفاظ على رهافة البناء وطراوة المعنى، والإصغاء لهمس الكلمات ، وجس لنبض النص، وقياس لدرجة حرارته، واكتواء بهسيسه.. ولأن قراءة الشعر تبدأ بالاكتشاف ثم المكاشفة التي تقتضي تماهيا مع النص إلى درجة الحلول، فإن القصيدة المتمنعة خلف أبراج البيان، المتكتمة عن أسرار البهاء، سرعان ما تدعن لمغازلة القارئ، وترخي ضفائرها المخضبة بحناء المجاز .. حينئذ يكتشف القارئ أن المناهج العلمية والقوانين الوضعية (نسبة إلى الفلسفة الوضعية) لا تسعفه في القبض على اللحظة الجمالية المنفلتة من عقالها، ولا توقع المعنى الشعري في شراكها؛ لأنها زئبقية التكوين، دائمة التكون، وبذلك فإن القراءة العاشقة هي، وحدها، القادرة، على امتلاك مفاتيح النص وفك طلاسمه وحل شفرته الجينية. وإذا كان التأويل نفخة جديدة للحياة في رحم النص، فإن قراءتي لأعمال الشاعر إسماعيل هموني شكلت ، بالنسبة لي، تجربة ماتعة وممتعة، ومغامرة غير مأمونة العواقب أشبه بالمشي على الحبل؛ يقودها عشق دفين لسحر البيان، واكتواء بلظى الكلمات الراقدة تحت رماد القصائد، وتعقب لا نهائي لطيف الجمال، واقتفاء متواصل لآثار البهاء المتوارية خلف الخرائط في رحلة لانهائية  تجعل من كل قصيدة "فاكهة للطريق".

 وبما أن اللسان ترجمان الفؤاد والشعر المسطور تجل للشعر المنظور، فإن الصحراء قصيدة كبرى حابلة بالاستعارات، طافحة بالبهاء، لكنها تخفي في العراء نبوءتها، وتدس أسرارها تحت رمالها الحارقة، ومن تمة فإن القراءة العابرة لن تقود إلا للتيه والضياع.

فماهي تجليات الصحراء في أعمال للشاعر إسماعيل هموني؟ وكيف تشتغل هذه الموضوعة في دينامية المتخيل الشعري؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار الصحراء" أمنا الكبرى"؟ 

 

  1. حين تكون الصحراء "أمنا الكبرى":

     يفضي تعقب المنجز الشعري للدكتور إسماعيل هموني إلى وضع اليد على المكانة البارزة التي تشغلها موضوعة الصحراء؛ ليس باعتبارها فضاء جغرافيا ملهما، ولكن باعتبارها رمزا يحبل بدلالات عميقة ويرشح بشعرية باذخة؛ وهي الفضاء الذي يجسد الشساعة والامتداد والانفتاح والسطوة والجمال والقسوة والبداوة والبساطة والترحال والغموض والصبر والسكينة والعذرية والنقاء والصفاء و العراء ... وفي ذلك يقول:" أطير بين زمنين: زمن أراه سالما كاملا إلا من هودج يحرسني في مرابع العراء، وزمن يملأ السماء فتنة، كأنه رحلة قافلة لا يتعبها السغب" (3)

     لقد جعل إسماعيل هموني من قصائده خياما ومضارب يسكنها، وهو المسكون بالبهاء المتكوثر في دمائها .. يحتسي شاي المعاني المطبوخ على نار هادئة في مرجل الوجدان .. يرتشف مع رغوته حمرة الشفق، وهو يتوارى خلف كثبان الاستعارات التي تنط كغزال وحشي .. تسافر به قوافل المعاني، ومواويل العشق على أنغام الكدرة، وتتخطفه رقصات الجسد ب"بلاغته الفاتكة" ( 4) السابح في ملكوت الروح الى مملكة التيه؛ حيث تتصيده عين غجرية  أشبه بغابة نخل ساعة السحر، تأسره، تارة، بأصابعها الفضية في شباك القلب؛ حيث يغمره العطر ويتملكه البخور، وتارة أخرى تلقي سهام الغرام في قلبه فترديه صريعا، وتبتلعه زرقة النيلة، وتبعثره أشلاء خلف الأفق، ليكون شهيد القصيدة. ولأن الصحراء كانت مند بدء الخليقة "أمنا الكبرى"، فقد جعل منها أمه التي رضع من ثديها حليب الإلهام، وقطف من نخلها رطب المجاز وارتوى بماء الاستعارة؛ فاستحق بذلك أن يكون "شاعر الصحراء".

       إن الصحراء القاحلة تخفي تحت كثبانها جمالا مائي التكوين؛ فرمالها أشبه بمجازات متحركة، تعشق حباتها الترحال في كل البقاع والأصقاع، لا تهدأ معانيها المندورة للحرية على حال. أما المعاني فتنط برشاقة كغزالة يستعصي على القارىء الإيقاع بها في شراكه.

     وحيث إن الشاعر يعي كون لغة الشعر لا تتكئ على غيرها ولا تشبه إلا نفسها، ولكل قصيدة بصمتها الخاصة وطعمها الفريد، فإنه "خاط لغته بماء الحلول، ورفع كلماته مسافات من التأويل .. ( وهو الذي) جاء إلى مضارب المجاز ضاربا التنزل في مكان واحد إلى منزلة بين المنازل" (5)

       و لأن الشعر والحب صنوان لا يفترقان، فقد عبر الشاعر عن صبابته ولوعة العشق التي تغلي في وجدانه بلغة متصوفة زاهدة، تسمو بالروح إلى سدرة الكمال في عالم النقاء والصفاء، تخاطب الوجدان من محراب الجمال والجلال؛ حيث يصطحب معه القارىء، بوداعة، في رحلة سرمدية إلى " درب الملائكة ..  كي يقطف من جنائن العشق وردة من بستان الله" (6)، سلك في ذلك مسلك العارفين بصفاء البديهة ونقاء الروح.

      و قد صهر الشاعر حب الأنثى بحب الصحراء إلى حد التماهي والحلول؛ فقلبه ينبض بدمائها و رئته تتنفس بعشقها .. ولعله ينظر إليها من "دولاب الكون"(7) ، وهي بعيدة عن البصر قريبة من البصيرة، حين يقول: " كنتِ تقولين لي : كلُّ بلاغتك في كفي؛ وكلُّ تلافيف نبضكَ في وريدي؛ أعرفُ منكَ وعنكَ كلَّ سكون ٍ أو ثبوتٍ في لحظة بياضِ الكلام" (8)، وفي مقام آخر يعلن حبه  للصحراء التي يستمد منها هويته البدوية قائلا:" هذا الحب هو حافزي لأكون؛ كما أنا ... أضيء باطني بما يكونه ظاهري ...(ف)هذه الذات لي؛ ولي أرضي التي أكبر عليها" (9)، وإذا كان النخيل من أهم مكونات الصحراء؛ يرمز للصبر والشموخ و الوفاء و العطاء ... فإن الشاعر جعله مصدرا للتربية الروحية التي استمدها؛ وهو القائل: " علمني نخيلي كيف أطل على المشهد من علو، وأن أقاسم السماء سنى العلياء ... حتى الزمن يطول كما قامات النخيل. في كل استطالة؛ يشمخ بي الخيال؛ في عروج منتظم؛ لأبني سماء ثانية" (10)، بل إنه يرى خياله المتجذر في كثبان الصحراء أوسع من ظلال النخيل؛ حيث يقول : "علمني الضوء الهارب من مشكاة الحياة أن الخطو الذي يقود بصيرتي أوسع من أن تحاكيه ظلال النخيل" (11).

   إن الصحراء، بالنسبة للشاعر، هي التربة التي تكون أوصاله والدماء المتكوثرة في عروقه.. هي الذاكرة التي تربط الحاضر بالماضي .. هي الروح للجسد .. هي النبض للقلب .. هي الأريج للزهر والمعنى للفظ ..هي الرحم الذي تكونت فيه مضغة الاستعارة، واستمد الخيال نسغ الحياة من دماء التأويل .. ومن تمة صارت النخلة " جرحا للغواية وسفرا في حرائق اللغة ... وسكرا في مباهج الوجع ... ومحرابا للعشق ... وتأويلا يشقق فصوص الذاكرة" (12)    

  1. حين يكون الشعر "نشيد الصحراء":                    

    إذا كانت القصيدة سليلة البيداء، فلأن الشعر ولد من رحم الصحراء قافية تنشد للراحلة حتى لا تمل المسير. ومنذ ذلك الحين تلازم الشعر والترحال تلازم الروح والجسد .

     وإذا كان الترحال قدر الانسان، فإن الشاعر رحالة بالفطرة، يبحث عن الحقيقة المطلقة ، بل إن كل قصيدة سفر. وليس من العبث أن أول قصيدة أنشدها شاعر عربي كانت على ظهر راحلته و أن الملاحم و الأساطير القديمة لم تكن تفرق بين الشعر و الرحلة، كما أن أول رحلة في تاريخ البشرية جمعاء، هي تلك الرحلة السرمدية التي قام بها أبو البشرية من السماء إلى الأرض؛ وهي رحلة من عالم الأبدية والنقاء إلى عالم الدنس والفناء. منذ ذلك الحين صار الترحال سنة الله في الأرض وناموسا يسري على عباده، ومن هنا تعتبر الكتابة رحلة عكسية وعروجا إلى السماء، تنجذب فيه الروح إلى برزخها، وتتوق إلى محو خطيئتها.

     ولعل الترحال، قبل ان يكون مشتركا ثقافيا بين بني البشر، هو خاصية بيولوجية مبرمجة في الخارطة الجينية للإنسان منذ ان كان منيا يمنى في رحم المرأة-الأم. وإذا كان كل إنسان يتواجد فكرا حيث لا يتواجد جسدا، فإن الترحال هو، وحده، القادر على طي هذه المسافة السحيقة بين الكائن والممكن، والحلم والواقع. والحقيقة أن قانون الترحال لا يسري على الإنسان لوحده، إذ كل الكائنات لا تفتأ تستقر في مكان واحد من طير ونمل وأسماك ... بل حتى  الكواكب السيارة .

      لهذا كله جاز لنا أن نعتبر الشعر رحلة طويلة لا تكاد تتوقف؛ يبحث فيها الشاعر عن لحظة جميلة  في زمن الحلم المفارق لزمن الواقع المتأزم .. هو بحث دائم من المهد إلى اللحد لكتابة القصيدة التي لم تكتب بعد؛ كالماء دائم الجريان.. ومن تمة تعددت اشكاله ومقاصده . فهذا الإمام الشافعي يرى بأن الإنسان كالماء؛ لا يصفو من الأكدار إلا إذا كان دائم الترحال حيث قال:

"سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ ** وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ

         إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسده ** ُإِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِب"ِ .(13)

     كل هذا يجعلنا نقول بأن الحياة تتأسس على منطق الترحال من المهد إلى اللحد، إلى درجة صارت  الدنيا مجرد رحلة قصيرة إلى الآخرة. لكن إذا كانت الكتابة رحلة، فإن القراءة رحلة مضاعفة. ولأن الصحراء مسرح للترحال منذ الأزل وقصيدة مفتوحة على التأويل، فإن الشاعر إسماعيل هموني، وهو البدوي الذي خبر مسالك الصحراء، أعطى لرحلته دلالات عميقة تتجاوز أبعاد المكان؛ فهي حينا رحلة في الزمان وحينا آخر رحلة في الوجدان، وفي ذلك يقول مناجيا والده في عالم الفناء: "وحين عدتُ إليك وجدتُ الصمت محرابي إليك .. هناك علَّمتَني أن الماء و الصمت سليلا البقاء .. وهما يقودان رحلتنا في الصحراء " ( 14)، كما أنه خصص في ديوانه الأخير قصيدة بأكملها للرحلة، مانحا إياها دلالات باطنية؛ فهي "مسار مفتوح على التجلي، وانبثاق الروح من رماد الموجودات، وتكسير لدائرة الوقت إلى أبعاد جوهرية للعشق، وهي سؤل على الذات، وسر الكينونة وقول في التشظي، وتعرية لأصول الأنانية، و صيدلية الحياة..."(15).

    من هذا المنطلق يبدو جليا أن الشاعر كسر مفهوم الرحلة  وخلخل ما تعارف عليه الناس، من خلال تشضيته و إخصابه بدلالات استعارية تستعصي على الفهم؛ حيث صار السكون رحلة والرحلة سكونا؛ وهو" سلسل الرمال و النخيل وشساعة الأبدية" (16) ، وهو "المقيم في السفر" (17)

  1. حين يكون "النون" صلصال القصيدة":

      "النون" هي كلمة السر في أعمال الشاعر إسماعيل هموني؛ إذ لا يكاد يخلو ديوان من دواوينه من ذكر هذا الاسم، حتى إنه خصص له قصائد بأكملها. فما هو السر في ذلك؟ وماهي دلالة النون؟ وهل لها علاقة بالصحراء؟ وإلى أي حد ساهمت في دينامية المتخيل الشعري؟

   توحي "النون" بدلالات متعددة أهمها:

  • جاء في لسان العرب لابن منذور:" النونُ من الحروف المَجْهورةِ، ومن الحُروف الذُّلقْ، والراءُ واللامُ والنون في حَيِّز واحد. الحرف الخامس والعشرون في التسلسل الهجائي والرابع عشر في الأبجدية العربية وهو صوت لثوي، أنفي مجهور، مرقق" (18) ، وهو من حروف الزيادات، وقد يكُون للتأكيد مشَددا ومُخففا، وتقول نَوَّنْتُ الاسم تَنْوِينا و التَّنْوِينُ لا يكون إلا في الأسماء؛  
  • النون حُوت وجمعه أنْوَانٌ ونِينَانٌ وذو النُّونِ لقب يونس بن متَّى عليه الصلاة والسلام، وقد سُمِّي بذلك لالتقام الحوت إيّاه، حيث قال عز وجل:" وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87 يونس)"، وفي حديث علي، عليه السلام،: يعلم اختلاف النينان في البحار الغامرات، وفي ذلك يقول بشار بن برد واصفا سفينة:

                        تلاعب نينان البحور وربما ** رأيت نفوس القوم من جريها تجري؛

  • النون شَفْرَةُ السَّيْف وحده؛
  • النون الدَّواةُ وجمعه أَنْوَان، ونِينَانٌ؛
  • النون صفة للرجل القوي والشجاع والجريء والحازم والرزين؛
  • النون زيت تستعمل في الطب؛
  • النون منطقة بالصحراء المغربية جنوب الأطلس الصغير، يعبرها واد تعرف باسمه.

       بعد عرض هذه الدلالات المتباينة، يبقى السؤال مطروحا: ما هو المعنى الذي يعنيه الشاعر؟ وهل معنى "النون" جاهز تتداوله الألسن، أم أن الشاعر قام بتذويته وتفريد معناه ليتحول من المعنى الحرفي إلى المعنى المنزاح، ومن المعنى المعجمي البسيط إلى المعنى المجازي المركب؟

     يطل علينا الشاعر في ديوانه البكر بقصيدة تحت عنوان" واد نون"، ولعله يقصد قريته "تغمرت" التي ولد ونشأ فيها. وفي هذه القصيدة حسرة على ما آلت إليه هذه الواحة؛ حيث يقول:" أرى دم الورود يئن من وجع السنين ويقاسم النخيل غيهب المنتهى" (19).

       وفي ديوانه الثاني يخصص قصيدة بعنوان: "صلاة النون"، وفيها إيحاءات إلى مسقط رأسه تارة، وتارة أخرى إلى نون النسوة؛ حيث يقول: "نخيلك بلدتي، يهاجر ليلا من عيون المها، ويساقط ترانيم في بئر يوسف ... لا شيء يدحرجني من سلالة الرمل سوى نون عشق بللتها أصداف تاريخ السنابل ... صلاة النون في مقام الحريق شذى لفراشات تضوع عنبرهن في أوصال الفراغ" (20).

       وفي ديوانه الثالث يجعل من النون مرادفا للحب الذي يربطه بأبيه؛ حيث يقول مناجيا إياه: "امنحني يدك البيضاء لأدخل سحابة حاصرتني بالحب و النون"(21). أما في "رسائل الحب" فلم يرد فيه "النون" لفظا لكنه ورد معنى؛ إذ كان مرادفا للصحراء حينا، وحينا آخر للمحبوبة أو القصيدة أو الزمن أو اللغة ... مما جعل هذه الكلمة تبدو مائعة، ودلالتها زئبقية منفلتة مشرعة أبوابها على التأويل.

      وفي ديوان "هذا أنا" نجد "النون" تحضر بقوة وتحمل معنى صوفيا؛ سواء من خلال قصيدة" رغائب النون" أو ما ورد من شذرات مبثوثة في قصائد أخرى؛ فهو يتساءل، في حيرة، عن طبيعة "النون" قائلا: "أهذا شطح أم لهيب من أنفاس شفق بخفة النون؟ نون من ماء؛ ونون تفرك عيونها ساعة الفجر؛ تنام في إشراق لذيذ .." (22)، كما تحضر "النون" بشكل لافت في قصيدة "أباريق الصلاة"؛ حيث صارت تدل على معاني الإلهام و الهيام و الحيرة ... حيث يقول: "لم أتعلم الحب بالشرح؛ ولكني عرفته بالحيرة التي تتخلل الماء في أوصال الاحتراق؛ إذ كلما أخرس الليل لسان الكلمات؛ جاءت النون متلألئة بأنفاس المجاز..." (23 ).

      ولعل ديوانه الأخير "على وتيرة البحر" جاء طافحا ب"النون"، مثقلا بدلالات عميقة؛ حيث صارت معادلا موضوعيا لخميرة الشعر، ولوعة الوَجد، والرغبة في الوصل، والخوف من الفصل، والقلق من المجهول، وعمق الحكمة، وحرقة الغياب، وقلق السؤال ... متسربلة بالاستعارة والمجاز؛ تارة تستمد رمزيتها من عمق البحر، وتارة أخرى من عراء الصحراء؛ ليس بالمعنى الجغرافي ولكن بالمعنى الوجودي؛ وفي ذلك يقول: "جاءني القمر يحمل وسادته الوتيرة؛ ويدعوني للاتكاء على زغب النون ... إنه البحر يفتح أبوابه للشعراء؛ يدخل أهل خمرة الغزل؛ ويصبون من أقداحه ما يسكر الحوت الأزرق؛ حتى يرتعش طحلب التاريخ في دوائر النون ... المعنى صنو وردة أنعشت حياتها في الصخر؛ وتحكمت في فراغ الحكمة حتى نام على فراشها شاعر زيَّن الكون بخمائر النون ... العزلة تعرف سر النون في حساب اللهفات ... أرى الماء يعلو شفاه النون ... أنا من سترته عن وجده الأسرار حتى فاض من واديه الوجد والوصل، وتفتحت بين أصابعه النون " (24 ).

       ولعل التأمل في المستوى الكاليغرافي لحرف النون يجعلنا نقف على بعده الصوفي؛ وكأن "النون" هي العالم السرمدي الذي انطوى فيه الوجود، والنقطة هي السر الذي فاض منه، وقد يوحي بسفينة النجاة في بحر الزمان الذي لا ساحل له.. إن "النون" صلصال القصيدة، وسفر ممتد في جغرافيا الإبداع، و بحث دائم ، خارج الدوائر، عن القصيدة التي لم تنكتب بعد،  وما الحياة إلا سفر طويل، أشبه بسمفونيات تعزفها أنامل القدر .. تقدم إكسير الروح قربانا للقصيدة، وتوزع علينا، نحن المنتشين، نخب الشعر في كؤوس من بهاء.

5- حين تشي القصيدة بكمياء البهاء:                                            

...  ولأن "اللغة زهرة الفم" كما يراها "هولدرلين"، فقد نظر الشاعر إلى العالم من خرم اللغة؛ من حيث كونها اختزالا للوجود، ومن حيث إن هذا الوجود لا يتحقق إلا باللغة وفي اللغة، ومن تمة صارت "مسكن الانسان" على حد تعبير "هيدغر".

     لقد سكن الشاعر إسماعيل هموني لغته الفارهة، المتقدة بالمجاز، المتشحة بالاستعارة، المتعبدة في محراب الرمز، السابحة في خيال لا ضفاف له، متزهدا في صومعتها كقديس يدين بالجمال، الذي يسري في وجدانه مجرى الدم في العروق.

      ... ولأن الشعر خطاب في التأنيث، فإن التجسس خلف قصائده الفاتنة، لاستراق لحظات خاطفة من البهاء، يكشف قدرة فائقة في سبك لغة آسرة، حارقة، مارقة، ماكرة، تلسع الفؤاد، و تلدغ الوجدان، وتدغدغ المشاعر بسحر البيان .. وفي نفس الآن متأنقة، حالمة، متعطرة بالمجاز .. تتدفق بمعان زئبقية، دائمة الهروب، متحررة من قيود النحو، مستعصية على قوانين الكمياء، هلامية كالضباب، كثيفة كالرذاذ، مبهمة كالظل، مندفعة ومتجددة وطافحة بالهدير كالموج، ترشح بالصور والأخيلة الفاتكة المنفلتة من العقال، المتمردة على قوانين العقل والبيان.

  ... ولأن الكتابة عزف جميل على أوتار الوجدان، ورقص هادىء بين الألفاظ والمعاني على إيقاع المجازات ومقامات الروح، فقد عرفت الآن، لم تزهر زنابق الشعر في آذار، و تتفتح القصائد سنابل قمح في نيسان، ولم ينبعث طائر "الفينيك" من رماده .. هناك، يدرك القارىء، لم تمشق القصيدة سيفها وتغتاله بوداعة، ولم يلسعنه اللفظ، ويذبحنه المعنى من الوريد إلى الوريد، فيكون القاتل والشهيد، كلما تجرأ وطلب يد قصيدة من قصائدك العذراء .

هوامش وإحالات

  1. فيتاغورس
  2. نضوب الظلال (الرباط/2003) ، نخيل بابل (مراكش/2010)، إشراقات (مراكش/2013)،رسائل الحب(مراكش/2016)، هذا أنا (مراكش/2017)، على وتيرة البحر (سيدي بوزيد/ تونس 2019)
  3. هذا أنا ص62
  4. نفسه ص19
  5. رسائل الحب ص 106، 107
  6. نفسه 116
  7. نفسه ص 14
  8. نفسه ص 8
  9. هذا أنا ص 9 ، 10
  10. نفسه ص 15
  11. نخيل بابل ص 12
  12. على وتيرة البحر ص 99 ، 103
  13. ديوان الشافعي
  14. إشراقات ص 12
  15. على وتيرة البحر ص 89، 93
  16. رسائل الحب ص 29
  17. نفسه ص 43
  18. لسان العرب لابن مندور
  19. نضوب الظلال 28
  20. نخيل بابل ص 46، 47
  21. إشراقات ص 9
  22. هذا أنا ص 30
  23. نفسه ص 69
  24. على وتيرة البحر ص 45، 48، 62، 63، 93.