كش بريس/ خاص 


صدر عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء كتاب" شطحات لمنتصف النهار"، في طبعة ثانية، مصححة، سنة 2018 ،  وقد كانت طبعته الأولى قد صدرت سنة 1996، في بيروت. هذا الكتاب له وضعية استثنائية في أعمال الشاعر محمد بنيس. فهو عبارة عن شذرات من سيرة ذاتية، مكتوبة بطريقة تجمع بين أسلوب الوصف وكثافة الشعر. كتابة جسد حيوي، تبحث عن جمالية مضادة، لا تستلم للغة الاعترافات السهلة أو لغة السرد المباشر، المطول. ستة وأربعون نصاً يستعرض محمد بنيس من خلالها لحظات من حياته الشخصية، اليومية، الثقافية، منذ سنوات الطفولة حتى بداية التسعينيات، وقد انتقل من فاس إلى المحمدية، ومن التدريس في المحمدية إلى كلية الآداب في الرباط، ومن الكتابة الشخصية إلى الحياة الشعرية والثقافية في السبعينيات والثمانينيات كما عاشها، في أوضاعها وصراعاتها. كتابة تستعيد الماضي لتتأمله بوعي يختار لغة المقاومة.

من نص "رؤية نفسي"
"أرضُ‭ ‬الكتابة‭ ‬أرْضي‭. ‬ولي‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬وطنٌ‭ ‬وأصدقاء‭. ‬قديماً،‭ ‬كنت‭ ‬أنصتُ‭ ‬إلى‭ ‬نداء‭ ‬أرض‭ ‬الكتابة‭. ‬كنتُ‭ ‬أتوقعُ‭ ‬أرضها‭ ‬حرة،‭ ‬رحيمة‭. ‬من‭ ‬أجْلها‭ ‬غالبتُ‭ ‬وواجهْت،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يسرق‭ ‬مني‭ ‬غاصبٌ‭ ‬حقي في هذه‭ ‬الأرض‭ ‬المشتركة،‭ ‬حيث‭ ‬أفترضُ‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شاعر‭ ‬يُصاحب‭ ‬فيها‭ ‬إخْوانه‭. ‬ويعيشون‭ ‬أخوّةَ‭ ‬المغامرة‭. ‬قديماً،‭ ‬تعهَّدت‭ ‬أن‭ ‬أعْطي‭ ‬جسدي‭ ‬لهذه‭ ‬الأرض،‭ ‬أن‭ ‬أقيم‭ ‬فيها،‭ ‬و‭ ‬أسافرَ‭ ‬فيها،‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬الصداقات‭. ‬ثم‭ ‬الأرضُ‭ ‬الحرة‭ ‬انكشفتْ‭ ‬لي،‭ ‬في‭ ‬السهَر‭ ‬البدْئيِّ‭ ‬مع‭ ‬أساتذة‭ ‬كنتُ‭ ‬أسمعُهم‭ ‬ينادُون‭ ‬عليّ‭. ‬عندها‭ ‬قلتُ‭ ‬لنفسي‭ : ‬إني‭ ‬أراكِ‭ ‬تائهة،‭ ‬حرة،‭ ‬تعبُرين‭ ‬هذه‭ ‬الأرضَ،‭ ‬وأراك‭ ‬تختارين‭ ‬ساعة‭ ‬العبور‭ ‬والصداقات‭. ‬أنتِ،‭ ‬أيتها‭ ‬النفْسُ،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬قريبةٌ‭ ‬من‭ ‬السابقين‭ ‬واللاحقين،‭ ‬المقيمين‭ ‬والعابرين‭. ‬قُرِّي‭ ‬عيناً،‭ ‬أيتها‭ ‬النفس، يا نفسي،‭ ‬بهذه‭ ‬الأرض،‭ ‬تابعي‭ ‬الطريق،‭ ‬طريقَك‭ ‬أنتِ،‭ ‬واعْلمِي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬ينتَهي‭ ‬إلا‭ ‬ليبْدأ‭. 

نقتطف من الديوان مقطعا جميلا من نص (نداءُ‭ ‬السّيدَة) :


غيومٌ‭ ‬قليلة‭ ‬تمسح‭ ‬جنَباتٍ‭ ‬من‭ ‬السماء،‭ ‬والضوءُ‭ ‬ينزل‭ ‬بصفرة‭ ‬لها‭ ‬طبقاتُ‭ ‬الرمل‭. ‬سماءٌ‭ ‬ورملٌ‭ ‬يتجمّعان‭ ‬ثم‭ ‬يفـترقان،‭ ‬على‭ ‬مقرُبة‭ ‬مني،‭ ‬في‭ ‬الصمت‭ ‬الذي‭ ‬يُلازمني‭ ‬عبر‭ ‬الأيام‭ ‬والليالي،‭ ‬منذ‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬التي‭ ‬نُسمّيها‭ ‬الطفولة‭ ‬الأولى‭. ‬أنا‭ ‬الآن‭ ‬تحت‭ ‬سماء،‭ ‬هي‭ ‬غيرُ‭ ‬سماء الغيوم‭ ‬في‭ ‬فاس‭. ‬سماء‭ ‬الأطلسيِّ،‭ ‬التي‭ ‬أقف‭ ‬الآن‭ ‬تحتهَا‭ ‬في‭ ‬المحمدية،‭ ‬نديةٌ‭ ‬ورطبةٌ‭ ‬في‭ ‬آن‭. ‬أما‭ ‬سمائي‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬فاس،‭ ‬فمُتخـفّية‭ ‬بين‭ ‬أنحاء‭ ‬الصمت،‭ ‬ولا‭ ‬أحدَ‭ ‬يعرف‭ ‬نسيجَها‭ . ‬أنا‭ ‬الوحيدُ‭ ‬الذي‭ ‬يعرفُها،‭ ‬لأنها‭ ‬تسكنُ‭ ‬العينَ‭ ‬ولا‭ ‬تفارقها‭. ‬سماءٌ‭ ‬تدنُو‭ ‬من‭ ‬سقف‭ ‬الغرفة‭ ‬بنجُومها‭ ‬التائهة‭. ‬ألوان‭ ‬بلُّورية‭ ‬وصرخةٌ‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬السقف‭. ‬وأنا‭ ‬قريبٌ‭ ‬من‭ ‬الفراش،‭ ‬ومنَ‭ ‬العينيْن‭ ‬المُغمضتيْن،‭ ‬ومن‭ ‬الدّم‭ ‬والصرخة‭. ‬سماءٌ‭ ‬وصرخةٌ‭ ‬وأنا،‭ ‬تحت‭ ‬السقف‭. ‬يدايَ‭ ‬رطبتان‭. ‬وبالعَينيْن‭ ‬وحدهما‭ ‬أقـتربُ‭ ‬من‭ ‬السيدة‭. ‬كنتُ‭ ‬أحسُّ‭ ‬أنها‭ ‬سيّدتي،‭ ‬ولم‭ ‬يُعلمني‭ ‬أحدٌ‭ ‬ذلك‭. ‬أتمدّدُ‭ ‬على‭ ‬فراش‭ ‬السيدة‭ ‬لأصعدَ‭ ‬إلى‭ ‬النجوم‭ ‬التائهة‭. ‬صمتٌ‭ ‬في‭ ‬صمْت‭. ‬وأنا‭ ‬قريبٌ‭ ‬من‭ ‬دمكِ‭ ‬أيتها‭ ‬السيدة‭.‬