د. عدنان زُهار يكتب : بين الصبر والبصر من الأسرار والمعاني والحقائق والدقائق ما تجل عن الوصف

صبيحة هذا اليوم، أوكلت إلى صاحب لي أخذ سيارتي إلى من يعرفه من حذاق الحرفيين في علم الميكانيك، وبعد ساعتين واعدني على مكان الحرفي الذي أمنه على إصلاح السيارة، فلما وقفت أفشيت السلام عليهما، فرد الحرفي ذو اللحية الطويلة البيضاء والوجه المنور السلامَ من غير ان يرفع رأسه إليه ويده تتلمس الأرض بحثا عن ألة من آلات الميكانيكا...فذهب وهلي حينما أبصرته إلى رجل من الصالحين يحضر مجالسي ويحافظ على الصلوات الخمس ولا يفتر لسانه عن ذكر الله، فاستبعدت سريعا ذلك الوهم ورددته قبل التفكر فيه، فصاحبنا صاحب المسجد الذي لا يفارقه يستحيل ان يكون هو هذا الذي رفع عجلات سيارتي الأربع يبحث عن مكمن الداء فيها بدقة متناهية ويتحسس عللها بطريقة متقنة، فالرجل لا يصل المسجد إلا بقائد يقوده ويعرفه الطريق ويوصله إلى باب بيت الله تعالى...
وأثناء هذه الخواطر المتدافعة في ذهني، إذ بالحرفي المتحركة يداه وسط أكثر مناطق المحرك تعقيدا يقول لي: يوم مبارك سعادة الفقيه الاجل سيدي عدنان، السيارة تمام سيدي؟؟؟!!!!
فالتفت إلى الصاحب الموكول له امرها، فرأيته يبتسم ويقول لي مجيبا عن حال الدهش والحيرة التي تملكني: "نعم، سيدي عدنان هذا سيدي بوشعيب مزوار، صاحب المسجد"...
فرددت سريعا قوله تعالى (إنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)...
كان هذا الحرفي الماهر الذي يشتغل هو السيد بوشعيب مزوار الرجل الضرير...
نعم، الأعمى الذي مُنع ضوء البصر وعوضه الله بنور البصيرة، فلا  تفارق ذاته بيوت الله، ولا لسانه ذكر الله، ولا أذناه كلام الله...
لما أقسم بالأيمان المغلظة ألا يأخذ مني فلسا عوضا على عمله، قال لي: ليس لي في الدنيا حلم أكبر من رؤية الكعبة المشرفة.
فعلمت حينها اي باستعماله للفظ "رؤية" أنه حقا بصير صبور...
فبين الصبر والبصر من الأسرار والمعاني والحقائق والدقائق ما تجل عن الوصف...
حقق الله أمنية سي بوشعيب مزوار
__