حديثُ الجُمُعة يكتبه د. مصطفى الطوبي : الحلقةُ الحادية عشرة "السّْمَاوِي.. !!"
 

لا شَكَّ أيُّهَا القرَّاءُ الأعِزَّاء أنَّكُم سَمِعْتم بهذا العَجَبِ المُسَمَّى عند العامَّة"السّْمَاوِي.."، وهو يسْتَشْرِي في المُجتمع في العقد الأخير من القَرن العشرين، وقد يَكُونُ هناكَ منكم من لا يعرفُهُ حَقَّ المعرفةِ،، أو يَدْرَأُ القبولَ به..أريدُ في هذا الحَدِيثِ أنْ أقدِّمَ لكم "وحيدا"  الطالب الجامعي الذي تعرفونَه، ضحية "للسّْماوي" بالرباط..أجلْ هذا كلامٌ صحيحٌ.. فماذا حَدَثَ له بالضَّبْط ؟ دعكم مع هذه الحكايةِ المتفردَةِ..
 انْفَتَحَتْ شهيةُ الحُرُوفِ المشرَّدة عصية الدَّمعِ، فاسْتقرَّتْ على جودي مدينة الرباط..الرباط العَالَم الخارج عن الحُدُودِ المألوفةِ؛ حلمُ الطفولةِ، المدينة العالمة ومدينة العلماء. هناك تعرَّفَ على ثلة منهم ممن ذاعَ صيتهم في الآفَاقِ. مدينة لا تنام فيها العرباتُ.. جميعُ أنواعِ السِّيارات لمَحْتهمْ هناكَ يا وحيد، وأصبحتَ تعدُّ منها ولا تعدِّدُهَا، و تعرفُ الماركاتِ الغميسةَ منها؛ تتَّبِعُهَا بناظريكَ وأْنْتَ راجِلٌ رأسًا إلى الكلية، فتعلكُ أسماءهَا ممهورة بدخان الصَّبَاحِ..طاحونةُ ولد النَّعْجَة مفعمة بالأحداثِ المتلاحقةِ، وأهمُّها صورةُ  الأستاذ إدريس وهو يشرحُ نظريةَ التواصلِ التفاعلي مرَكِّزًا على توضيح عناصر التواصلِ، والتمييز بين التواصل عند "جاكبسون" والتواصل عند "شانون" و"ويفر"، وما يترتبُ عن ذلكَ من تَفْرِقَةٍ بين الرِّسَالةِ اليومية والرسالة الشِّعْريةِ ..وصورة الأستاذ عزة وهو يطْرُدُ مفتشَ التَّعليمِ الثانوي بحجة أنَّهُ لا يعرفُ قراءةَ الشِّعْر. الأستاذ عِزَّة مثل القِطَارِ، لا يفاوضُ في المعرفة نهائيا؛ تعرفُ العروضَ والنحوَ أو لا تعرفهما، حصته كنائسية لا كلام بدون ضَبْطِ أواخِرِ الكَلِمِ، لا مزايدة مجانية، لا هرطقة ، لا استعراض للأعلام الأجنبية مثل اجترار "بارث" و "تودوروف" و "باختين" و "كريستيفا" و"كوهن"..الأستاذ عزة يَرُدُّكَ  بطريقة تدريسه إلى الصِّفْرِ؛ اقرأ النصَّ بالشكل التام هههه،، قَطِّعِ البيْتَ،، أعْرِبِ الكلمةَ الآتيةَ أو الجملةَ الآتية..وتمرُّ الأيام ثكلى، إلا أن هذا اليوم استثنائي لأنَّ الأستاذ إدريس آثرَكَ يا وحيد بالسير معك قدما إلى "باب الأحد"، وودَّعَكَ هناكَ.. سألكَ من أينَ حصلتَ على الإجازةِ، ومن هم الأساتذة الذين درَّسُوك،، والكتب التي قرأتها،، واهتماماتك الأدبية والمشاريع المستقبلية، وو.. كانَ الأستاذُ إدريس يَسْألُ، ويدَخِّنُ السيجارة تلو الأخرى..ثمَّ ودَّعكَ وسَارَ لحالِهِ..وذهبتَ يا وحيد منتفشا بانتصارك  في الدراسات العليا مثْلَ الطاووسِ..غُصْتَ في هذيانكَ الداخلي حتى أوقفكَ "البوهالي".. اشمخَرَّ "البوهالي" أمام وحيد مثل طود من الوَرَعِ، واضعًا في عنقه التسبيحَ ذا الحباتِ الكبيرة، وَطَلَبَ منه صَدَقةً على المسْجِدِ.. اسْتَغْرَبَ وحيد كيف لهذا "البوهالي" الهائمِ على وجههِ  ذي اللحيةِ البَيْضَاءِ الممشوقة بالأحْمَرِ أن يطلبَ صَدَقَةً لا يستفيدُ منها هو ..قَالَ لوحيد: واللهِ أنا لا أريدُ أن تعطِيَنِي شيئا.. أرِيدُ ..أريدُ فقط أن تتصدق بدِرْهمٍ على المسجدٍ .. يَا لغرابة الطَلَبِ !!وَقَفَ وحيدٌ مشدوهًا، وأخْرَجَ درهمًا من جيْبهِ، ونَاوَلَهَا للبوهالي، وهو قد ضَنَّ بها قبلُ على ثَمَنِ التنقلِ إلى غرفتِهِ المعلقة فِي السَّطْحِ في "دوار الكرعة"، أمْسَكَها "البوهالي" بِلَهْفَةٍ ،وَبَخَّ عليها بلُعَابِهِ، وأرْجَعَهَا لوحيد،، أمْسَكَ وحيدٌ بالدرهم على غصَّة منه لأنَّه، في واقعِ الأمْرِ، لمَحَ فيها طيفًا أخضرَ مائلا إلى صُورة عَرُوسٍ ..شعر بقشعريرة تجتاحُهُ، وبقيَ مُسَمَرًّا في مكانِهِ.. قال له البوهالي: قل "التسليم.." ولا تخف من أهل الله.." قالَ وحيد في سره:التسليم.. ارتبكَ في سلوكه وانْطَمَسَ إدراكُه، ولم يعدْ يعرفُ ماذا يقدِّمُ، وماذا يؤخِّرُ..
وَاصَلَ البوهالي كَلامَه واثقًا من نفسِهِ، ومتأكدا أنه أمْسَكَ السَّمكة من منخرها.."إلا عندك شي حاجَة وخبِّيتِهَا على الشُّرْفَا تْخَافْ عَلَى رَاسَكْ، نْشُوفْها، نْبُخّ فيها، ونْرُدّْهَا ليكْ قدَّامْ عينيكْ .."
قال وحيد في نفسه: مادام سيبخُّ عليها ويردها لي، ما المُشْكلُ؟؟
كَانَ وحيدٌ يَتَوَفرُ على ألفِ دِرْهَمٍ مطوية في كَاغدٍ أمْلَسَ مَنْتُوفٍ من مَجلَّةٍ مُصَوَّرَةٍ بالألوَانِ، مطوية بطريقة خاصَّةٍ بشكل يجعلها دائمة الحُضُور في جيْبِهِ الخلفي، كان يخشَى أن يتركَها في الغرفَةِ خوفًا من السَّرِقَةِ ..كانتْ هذه الألفُ درهمٍ قد ادَّخَرَهَا وحيدٌ من عمله اليومي، ومن ثَمَنِ الدّرَّاجَةِ العادية التي كان يَتَنَقَّلُ بها في الجديدة، فلم يعدْ يحتاجُ إليها في الرباط، فباعَها بـ600 درهم ..كانتْ هذه الألف درهم هي سلاحَه الوحيدَ لكي يصمُدَ في الرباط ،ويؤدي ثَمَنَ الكراء والمعيشة وأشياءَ أخْرى، على الأقل حتى يعرفَ وقْتَ التوصُّلِ بِمنْحة السلكِ الثَّالِثِ.. 
أخرجَها للبوهالي، فأمسكَ بها هذا الأخيرُ زفوفًا مثلَ قفزةٍ كَلْبٍ جَائعٍ على عَظْمٍ في الهَوَاءِ، وردَّها إليها في الحَالِ، تأكَّدَ وحيدٌ بكل حواسِّهِ أن أمانَتَه ردتْ إليهِ.. لم يكنْ عندهُ أدنَى شَكٍّ في ذلكَ. قال "البوهالي" في تشييعه الأخير لضحيته: لا تنسَ المسجدَ، تصدقّْ على المسجد بالدرهم التي أوصيتك بها ..هَمْهَمَ وحيدٌ في خاطرِهِ أن نَعَمْ، وسار في الشارع مطمئنا على نفسه، وآمنه في سربه وماله، على الأقل في تلك اللحظة التي كان يدندنُ فيها نشيدَ الثقةِ بالنَّفْسِ. تجاوز حوالَى 500 متر، فتنبه عَلَى نَفْسِهِ،وَعادَ إلى وعيِهِ، وطرَحَ السؤالَ الذي لم يأتِهِ أبدًا قبْلُ: هلْ ما زالتْ نقودُك هي هي؟؟ عشرة أوراق من فئة مائة درهم لكل ورقةٍ، مطوية كلها بقطع النصف، وموضوعة في كاغِدٍ أملسَ مَمْلُوءٍ بالصُّورِ ؟؟ تأكد يا وحيد من نفسكَ؟ ابْتَسَمَ ابتسامة مغتصبة، وقالَ في خَاطِرِهِ: أعُوذُ بالله من الشَّيْطانِ الرَّجيمِ،، ما هذه الهواجس يا وحيد ؟؟..
رغم ذلك،غلبه الفضولُ في المعرفة، فوافقَ على أن يخرجَ نقودَه ليتأَكَّدَ منها.. انْزَوَى إلى رُكْنٍ خفيٍّ في مدخلِ عمارةٍ متآكلةٍ، وحَاوَلَ أن يُخْرِجَ أمانتَه من جيبِهِ الخلفي ..اندهش كثيرا لملمسِهَا،، كانَتْ أمانتُه الحقيقية ضئيلةً ملساءَ مستورةً، والتي أمسَكَ بها منتفخة مفخخة خَشِنة !!! عَلِمَ للتوِّ أنَّ في الأمرِ سرًّا طارِئًا.. 
جَبَذَ وحيدٌ خُرْدَتَهُ الجَدِيدةَ بقوَّةٍ في هَالَةٍ من الذُّعْرِ، ففزع لما رأى،، ويا لهول ما رَأى !! عِوَضَ أن تقرَّ عينه بأوراقِهِ النَّقديةِ المصونة في كاغِدِ المَجَلَّةِ الأملسِ، ألفى أن يدَه قد أخْرَجَتْ كُومةً من أوراقِ الجرائدِ الصَّفراءِ الهرئة، قلَّبَها بعنْفٍ، فلمْ يجدْ شيئا، أنعمَ النظرَ لعلَّ الأوراقَ النقديةَ العشرةَ مدسوسةٌ وسطها، فلم يجد شيئًا.. دَارَتِ الدُّنيا بوحيدٍ. شَعَرَ بدوار فريد من نوعِهِ. لم يبقَ يعرف أي جهة من الجِهَاتِ.. تقرفصَ، ووضع يده على رأْسِهِ رغبةً في أن يتمالكَ نفسَه..قامَ من مكانه ثمَّ عَادَ إلى جلسة القرفصاء، كانَ أوَّلُ تفكيرٍ تملكهُ هو أن يَعُودَ إلى "البوهالي" النصَّابِ باسْمِ الدِّينِ بسرعَةِ البَرْقِ، لم يشأ أن يرْميَ بِخُرْدَةِ الجَرَائدِ لعلَّ الأوراق المالية ما زالتْ محجوبةً في ثِنْيةٍ خفيةٍ منهَا ،، أبقاها في قبْضَتِهِ، ومَرَقَ مُهَرْقِلاً إلى المكان الذي احْتُبِلَ فيه، بدأ يفتشُ هناكَ في أي ركْنٍ.. سألَ بائعَ الفواكِهِ الجافة عنه فلم يظفرْ بجَوَابٍ، انْدَسَّ إلى زُقاقٍ صغيرٍ، فلم يعثرْ عليه، عاد إلى مكانِهِ الأولى، وَسَألَ أحَدَ المارة في نوع من الهستيريا: "الله يَرْحمْ الوالدينْ وَاشْ شْتِّي واحدْ البُوهالي هْنَا.." أجابَهُ الرجلُ في نوع من الاهتِمَامِ والتعاطُفِ(كان هذا الرجلُ أنيقًا في سِرْبالهِ، قاصدًا في مشيتِهِ، راقيًا في جوابِهِ، موخوطًا بالشَّيبِ ) : هل أنت طالبٌ أجنبيٌّ عن الرباطِ؟ أجابَ وحيدٌ بشكلٍ مختلفٍ تمامًا : نعم هذا "البوهالي" قال لي تصدق عن المسجد، وتدفَّقَ يحكي مأساته بدون توقف، ابتسم الرجل، وقال له مواسيا:"هَذا شْلاَهْبِي كَيْدِيرْ السّْمَاوي.." ليسَ لك إلا الصبر يا أخِي .."السّْمَاوي.!! " يسمعُها وحيدٌ لأول مرَّة، فكَّرَ في الشرطة، ولكنه كان عمليا، هو يريد نقودَه، ولا يريدُ أن يشغل نفسَهُ بأمُورٍ، ربَّما تكلفُه مزيدًا من الدريهمات والوقتِ..أسلمَ أمره لله، وسَالَ رَاجِلاً إلى حي "دوار الكرعة". كان يَمْشِي مُتسرْبلا بهمومهِ الجديدة حتَّى أذنيه.." على سلامْتَكْ أسِّي وحيدْ،، بْرَافُو عْلِيكْ".. نقودُكَ ذهبتْ يا وحيد، كراؤُك ذهَبَ يا وحيد، معولتُك ذَهبَتْ يا وحيد،، قل لي بالله عليك ماذا ستفعلُ الآنَ !!؟؟ كيفَ لكَ أيُّها الأرْعَنُ البلِيدُ أن تقبلَ الحوارَ مع شَخْصٍ أجنبيٍّ لا تعرفُه في قلْبِ الرباطِ !!؟؟هل تعرفتَ الآن على الوجْهِ الآخرِ من الرباط يا أحمقُ؟؟ أم تراكَ ستبحثُ عن "بوهالي" آخرَ ، وتسمَعُ منه التوجيهاتِ في شأن الصدقة والزكاة!!؟؟ كم أنتَ غِرٌّ يا وحيد!!، على كل حال، ذَرْنِي من هذا كلِّهِ،، ماذا ستفعلُ الآن يا أبلهُ؟؟ قل لي أيُّها الأحمقُ، كيفَ ستخرجُ نفسَكَ من هذا المأزق؟؟ أوكي يا سيدي التَّقِي المتصدق أحْسَنتَ الصُّنْعَ؟؟ أهنِّئُكَ أنَّ الحلَّ الوحيدَ عندك الآن هو الموقف !! نعم الموقف هنيئًا لكَ بِهِ يا "وجه الموقف" !! هو قريب منك يا سي وحيد،، لقد عرفته من قبلُ..إنه موجودٌ في مقدمة سوق دوار الكرعة. يجلس فيه المياومين واضعينَ بجانبهم أدواتِ العَمَلِ؛ ميزان الماء، فرشاة الصباغة، الملاسة، المجرفة، وأدوات أخرى.. ينشرُونَ أرجلَهم على الرصيف، متسربلين ملابسَ العملِ الرثة أو المزركشة بالصباغة ..عليك يا وحيد أن تبْحَثَ عن ملابسٍ رَثَّةٍ لكي لا يتنبهَ عليك أحدٌ ..أجلْ أنت تتوفرُ على جلبابٍ قديمٍ، ستتسربلُ به وبِجُنْحِ الفَجْرِ لكي تندسَّ في هذا الموقف، وتشتغل لكي تنقذ نفسكَ من هذه الورطةِ.. في وسط هذه الهواجس وضع وحيد خطة الإنقاذِ في نوع من الصرامةِ غيرِ المعهودةِ مع نفسِهِ.. 
أحسَّ وحيد أن يدَه التي أخرجت الدرهم بنية الصدقة، وفرَّطتْ في ميزانية طالب برمتها ثقيلة. مَارَ بها، فاستشعرَ أن ثمة شيئا قد استقرَّ بها. يا إلهي يدك تشنجت يا وحيد !! لقد أصابكَ مكروهٌ في شقك الأيمن،، الذراعُ كلُّها ثقيلةٌ الآنَ!!..أحسَّ وحيد بخطر حقيقي، توجَّس من البوهالي أن يكونَ ساحرًا، وحرَّضَ عليه رئيا من الجن، فلطَّه في ذراعه، صعد وحيد إلى غرفة السطح المسقفة بالزنك، وتوجه مباشرة إلى حمام الوضوء، توضأ جيدا، وصلى ركعتين ..بقيت ذراعه ثقيلة.. 
تاهتْ به الأرضُ، لم يعد يعرفُ ماذا يقدمُ وماذا يؤَخِّرُ، تحرَّكَ خارجَ الغرفةِ. نَزَلَ دَرَكَاتٍ إلى زُقَاقِ الحومة. مشى صامتا تجاه المسجدِ. أذَّن المؤذنُ لصلاة المغرب. قال وحيد في خاطره: هيا بك يا وحيد، صلِّ صلاةَ المغرب في هذا المسجد الذي أزمعت لحظة أن تتصدق بدرهم عليهِ ..دَخَلَ باكرا، ومشى خطواتٍ حتى جلس في الصفِّ الأولِ، فجأةَ يأتي الواعظُ الذي كان في رمضان يقدِّمُ دروسًا في مس الشياطين وتلبسها بالإنسان، كانت ذراعه ما زالت ثقيلة ،وكان يشعر أن ثمة خطرًا يحدقُ به. فكر أن يستفسرَ هذا الواعظَ الذي جلسَ بالصدفة جانبه عن هذا الذراع الممسوس، اقترب منه وقالَ:  السلام عليكم سيدي أرجوك أريد أن أستشيركَ بعدَ الصلاةِ.. 
قال الواعظُ: حاضر، إن شَاءَ اللهُ. 
انتهتِ الصلاةُ، وانْفَضَّ الناسُ، فوجَدَ الواعظَ ينتظره خارج المسجد مبتسما.. سألَ وحيدا قائلاً : ما بكَ خيرا إن شاء اللهُ؟؟
أجابه وحيد : أشعرُ بثقل في ذراعي الأيمن، ولما استفسرَهُ عن السَّبَبِ، انْهَمَرَ عليه وحيد بقِصَّتِهِ الطرِيَّةِ من ألفها إلى يائهَا.. كان الرجلُ يسمعُ بلهفَةٍ كبيرةٍ، ولمَّا أنهى وحيد القصةَ تنفَّسَ الرجلُ الصعداءَ، وقال لوحيدٍ: أين تسكن؟؟ أشارَ وحيدٌ بسبابته إلى دار الخميسي، فعرفه الرجلُ ..قالَ له: اسمعْ يا أخي، بالنسبة لذراعك، إن شاء الله، لنْ يصيبَكَ شيءٌ،، هي هاجسٌ نفسي فقط.. مشكلتك هي الضررُ الماديُّ .قالَ وحيدٌ: أبدا ،لقد وضعت خطَّةً لاتقاء هذا الضرَرِ إن شاء الله .. ليسَ هذا هو مشكلتي، ابتسم الرجلُ وسألَ وحيدا عن محتده، ودراسته، وآفاقه.. وأخبره هو أنه مهندس دولة، ويشتغل بالوعظ أيضا ،ويقدم دروسًا في مساجدَ أخرى ..سَالَ الحديثُ بهما في مواضِعَ متعددةٍ، وأخيرا ودَّعه، وانصرفَ لحاله..
طوَى وحيد هذه الصفحة وعوَّلَ على ساعديه، ليخرج من عُنُقِ الزُّجَاجَةِ. ذَهَبَ في مساء الغد إلى المسجد كَدَيْدَنِهِ، وصلَّى المغربَ، وسالَ آيبًا إلى وَكْرِه في سطح دار الخميسي تمَامًا كما يؤُوبُ اللقلاقُ إلى قُنَّةِ شجرةِ الصَّفْصَافِ المتبقيةِ من أطْلاَلٍ مَهْجُورَةٍ،، وفجأة سمع الواعظ يناديه: وحيد وحيد ، فالتفتَ فألفى أنَّ الرجلَ يَتعَقَّبُهُ مُهَرْقِلاً، وبسمتهُ الدائمة مرسومة على شفتيه، أمسكه الرجلُ من يدهِ، وقال في بسمة دائمة:"واش كاين شي أتاي"، أجابَ وحيدٌ: ألف مرحبا بكَ إذا رضيتَ بإبريق الطلبة ههه.. قالها وهو يقهقه عاليا..أجابَه الرجلُ: نحن جميعا طلبة يا أخي..وبقي مسايرا له في المشي حتى وصلا إلى باب الدار، ظَنَّ وحيدٌ أن الرجلَ سيودعُهُ هناك، ولكنه لم يفعل، ودَلَفَ داخلاً معه إلى الدار، ثم صعد الأدراج خلفه حتى أفضيا معا إلى سطح الدَّار، أخرجَ وحيد المفتاحَ، وفَكَّ القفلَ، ورحَّبَ بالرجلِ: تفضلْ مرحبًا بك. ثم أمسك المقراجَ يريد أن يصبَّ فيه الماء، ليضعه على قنينة الغاز، لكن الرجل اعترضَ، وأقسم عليه ألا يفعلَ شيئا..قال له: تفضل يا أخي لا تشغل نفسك بأي شيءٍ، وأخْرَجَ من جيبه ظرفًا مستورًا، وناولَه إياهُ، وهو يقول: لا تعترض على أي شيء.. هذه الأمانة أرسَلَها لك المسجدُ ، كانت عندي جلسة مع بعض الزملاء البارحةَ، فحكيت لهم قصَّتكَ، فجمعوا هذه الأمانةَ، وأرسلوها لكَ. قال وحيدٌ: لا أبدا لن أقبلَ.. أنا لمْ أفْضِ لكَ بأمري من أجلِ هذا...اعترضَ الرجلُ على وحيدٍ قائلاً في غمرة الابتسامِ: أنا أعرفُ أنَّكَ فعلا لم تأتِ عندي من أجْلِ هذا، ولكن هذا الرزق ساقه الله إليك والله ما كنتُ أفكِّرُ فيه أنا بنفسي.. من فضلك قلْ: بسم الله، وخُذْه..ألحَّ عليه حتى قبله على مَضَضٍ، وانْصَرَفَ الرجلُ إلى حاله..شعَرَ وحيدٌ بدقَّاتِ قلبِهِ.. يا إلهي ما هذا الحرج الذي وقعتُ فيه !!..فتَّشَ المظروفَ، وأحصى الأوراقَ الماليةَ، فألفى أنها ألفٌ ومائةٌ وخمسونَ درهمًا.. سبحانَ الله هذه نقودي رُدَّتْ إليَّ بزيادة بُرٍّ من شهرين.. شَعَرَ وحيد بفرحة عارمة غمرته، نشوة لا تصدق،، انتهت الخطة الثانية؛ لا موقف، ولا معاناة، ولا تبكير، ولا أي شيء من هذا القبيل ..كل شيءٍ على ما يُرام الآنَ..تمددَ وحيد على بساط البونج، ووضع رجلا على أخرى، وبدأ يتدبرُ أبجدياتِ حادثة "السّْماوي".. ههه ابتسم ابتسامة عريضة وقال لنفسه: ممتاز هذه المرة تصدق على الزاوية، وعلى المقبرة ،وعلى الخيريات، وعلى السجن.. أنت أكبر "كانبو" فوق الأرض يا وحيد ههه
لم يَبْقَ وحيدٌ، منذ ذلك الوقت، يستجيبُ لأيِّ طلبٍ في الشارع العام، وأصْبحَ الناسُ جميعًا متهمينَ عندَهُ، حتى الأبرياء لم يسلموا من تمنعِهِ ونفورِه المستمرِّ..
يتبع..