أحمد الشهاوي يكتب : لا خجلَ ولا حياءَ فى شاطئ سيد قطب 

سيد قُطب ابنٌ للحيرةِ، واليأسِ، والتشاؤُمِ، والتحوُّلِ من النقيضِ إلى النقيضِ، والضَّعفِ، والتبعية «تبعيته للعقَّادِ، ومن بعده تبعيته للأيديولوجيةِ الدينيةِ المُتشدِّدةِ المُكَفِّرةِ»، والشَّاعر التابع مثله لا إبداعَ له يبقَى أو يحفُرُ له مسَارًا أو نفقًا فى الحركةِ الشعريَّةِ، كى يمُرَّ نُورُ الخيالِ وضوءُ الكلام، ولا كتابةَ تأتى منهُ يُمكنُ لها أن تُؤثِّرَ، وإجمالا لا يُعوَّلُ عليهِ فى نصٍّ يُؤسِّسُ ويُغيِّرُ ويُحوِّلُ مسارَ قارئِهِ، ولعلَّ اختيارَهُ لعنوان ديوانهِ الشِّعرى الأوَّل والأخير «الشاطئ المجهول» – 1935 – لم يأتِ عفوَ الخاطرِ أو مُصادفةً أو من فراغٍ، بل جاء مُطابقًا لحالِ شاعرِهِ الذى ظلَّ طويلا يُجدِّفُ دُون أن يصلَ إلى شاطئ مجهُولٍ أو معلُومٍ مُتعيَّنٍ، إذْ لم تكُن هناك حُدودٌ ومعالمُ وسواحلُ واضحةٌ وجليةٌ أمام الشَّاعر سيد قطب.

وإذا كانت الشاعرةُ الراحلةُ جميلة العلايلى «(20 من مارس 1907 - 11 من أبريل 1991)،» قد كتبتْ فى مارس من عام 1935 أنَّ «شعارَ الشَّاعر سيد قطب هُو الغمُوض، وهُو رأسمالُه...»، فقد انتقل هذا الغمُوضُ بعد ذلك من شِعْرِه إلى نثرِهِ، إلى سلوكِهِ، إلى تلاميذِه ومُريدِيه وأتباعِه ممَّن يُسمَّوْن بالقُطبيين، وظلُّوا معهُ، ومازالوا عائشينَ فى الغمُوضِ والمُواربةِ والتقيةِ والمُراوغةِ.

وإنْ لم يكتبْ سيد قطب سيرتَهُ الشخصيَّةَ مع المرْأةِ، أو مع الحُبِّ، فقصائده الغزليَّة – وهى كثيرةٌ – ترجمةٌ شخصيةٌ لعلاقته بالمرْأةِ وتحوُّل حُبِّه الذى ماتَ وكفَّنهُ ودفنَهُ وسجَّلهُ فى قصائدِه «الجنة الضائعة»، و«مصرع حب» و«الحب المكرُوه»:

وداعًا أيها الحبُّ.. كرهتُك فارتحلْ قُدمًا

كرهتُكَ لم يعُد قلبٌ.. بصدرى يحملُ الألما

سأحيا جامد الحسِّ.. فلا حبٌّ ولا أملُ

ستخبو شُعلةُ النفس.. ويمضى ذلك الأمل.

إلى درجة أن صديقه الشَّاعر فايد العمروسى المولُود معه فى العام نفسه «1906»، ودرسَ معه فى كلية دار العلوم، يكتبُ فى أبريل من سنة 1935 أى بعد مُرور ثلاثة أشهرٍ من صُدُور ديوان «الشاطئ المجهول» «... يظهر أنَّ الحياةَ الوجدانيةَ للشاعر سيد قطب قد انتهتْ بانتهاءِ ديوانِه فودَّعَها بقصيدةِ "نكسة" و"على أطلالِ الحب"، وهى القصيدة التى يخْتم بها ديوانَهُ، وقد كتبها عام 1934، أى قبل نحو عامٍ من صُدور ديوانه مطبوعا فى يناير 1935 فى إحدى المطابع بالمنيا، والتى يُشير فيها سيد قطب إلى أن خريف الحُبِّ والعمر قد حلَّ باكرًا فى حياته، فحطَّمَ وعطَّلَ وأبطلَ وأسكتَ، حتَّى "تاهت نفسى الولهى وأسرت رُوحى السَّكْرى، وقُلت نزَا ألمى"، «فداك الكونُ يا طللُ»، لا أحدَ ممَّن كتبوا عن حياةِ وشِعْر سيد قطب يشيرُ صراحةً إلى نساءِ الشَّاعر، الذى عاشَ دُون زواجٍ حتَّى إعدامه الذى أكرهُهُ من نظام عبدالناصر عام 1966، لأنَّ الفكرَ ينبغى مُقاومتُهُ بالفِكْرِ، حتَّى ولو كان مُتشدِّدًا مُكفِّرًا الدولةَ وشعبَها وحاكمَها.

وإن كان صديقه فايد العمرُوسى يُلمح من قريبٍ إلى تجاربَ حُبٍّ تم تكفينُها ودفنُها، وذلك فى دراسته المنشُورة فى عدد أبريل عام 1935من صحيفة دار العلوم صفحة 220 حتى 225، حيث إنَّ المرأةَ هى من تُحدِثُ التحوُّلَ الجِذرى والعميقَ فى حياة الإنسان، والشاعرَ على وجه الخُصُوص، وكم من شُعراء عاشُوا كسيد قطب دُونَ زواجٍ، إذْ أفرط الشَّاعرُ فى رُومانسيته التى تربَّى ونشَأ عليها، ومن يدرس ديوانه سيلحظ غلبةَ قامُوسه الوجدانى على ما عداه.

وكعادة الإخوان فى امتداحِ أنفُسهم، وإسباغ صفاتٍ رسوليةً وقدسيةً على مُرشديهم وقادتهم خُصُوصًا، باعتبار أنَّ الباطلَ لا يُمكنُ أنَّ يمُرَّ أبدًا من بين أصابعهم، فمُبكرًا، وقبل أن ينضمَّ سيد قطب إلى الإخوان بدأ حياته بامتداحِ نفسِهِ، حيثُ على غير ما هُو مُعتادٌ وقتَ إصدارِ ديوانِهِ، كتب مقدمة ديوانه بهذا الشكل: المقدمة بقلم الناقد سيد قطب، بصورةٍ تثيرُ «الخجل والحياء»، كما يذكر معاصرُه الشَّاعر والمُؤرِّخ محمُود الخفيف (1909 - 1961 م) «مجلة الرسالة، العاشر من يونيو 1935» مُضيفًا فى موْضعٍ آخر:

«... لقد تردَّدتُ كثيرًا أن أصدِّقَ أنَّ الشَّاعرَ والنَّاقدَ شخصٌ واحدٌ، وأكتفى أن أقولَ له فى احترامٍ: إنَّ مثل هذا إنْ جاز فى شىءٍ فهُو لا يجُوزُ فى الأدبِ، وعلى الأخصِّ الشِّعر»، ويختم محمود الخفيف مقاله، بعد أن أشار إلى أن الشَّاعرَ فى ديوانه «الشاطئ المجهول» تابعٌ، ومُقلِّدٌ، وكئيبٌ، لا يتوخَّى البلاغةَ، ذو أفكارٍ غامضةٍ، لديه هناتٌ «أخطاءٌ» فى بعض تعبيراته، قليلُ العناية بانتقاءِ اللفظ وتجويد القوافى، وأنا على يقينٍ بأنِّى حين أصارحُهُ بهذا أحسِنُ إليه، فواجبنا أن نتضافرَ على رفعِ مُستوى الشِّعْر بعد أن نُحدِّدَهُ ونتبيَّنَ وجهته ولا سبيلَ لنا إلى ذلك إلا إذا توخيْنا الصراحةَ والصدقَ والإخلاصَ فى كل ما نقول».

لم يستطعْ الشاعر سيد قطب أن يبقى طويلا كشَاعرٍ بصرفِ النظر عن حياته الخاصةِ المُلتبسة أو السريَّة، التى حاول «الجميع» أن يُخفى أوراقها، أو أن لا يدع أحدًا يكشفُ مخبُوءَها، لأنَّ سلوكَ المُقلِّد وسماته جعلتهُ يهرُبُ من الأدبِ إلى الدِّين بمعناه الأيديولوجى، لا بما نشأ عليه المُسلم من اعتدالٍ ووسطيةٍ، وهى طبيعة الإسلام فى مصر منذ دُخُول العرب إليها، إذْ إنَّ مصرَ وأهلها على مرِّ الأزمان بعيدةٌ عن التشدُّدِ والتزمُّتِ والتطرُّفِ.

فى شعر سيد قطب نزعةٌ عقاديةٌ واضحةٌ، وهى نزعةٌ ذهنيةٌ، الشِّعر فيها جافٌ، ذهنىٌّ، لا ماءَ فيه، ولا حياةَ، وما خلَّفَهُ عباس محمُود العقاد «(أسوان، 1889-القاهرة، 1964)» من شعرٍ، لم يكن له أثرٌ كتلميذه سيد قطب، ولكن ما يهُمنى هنا، أن أستقصى حياة سيد قطب عبر شِعْرِهِ، لأعرفَ مسيرَ ومصيرَ تحوله من القُبلةِ إلى القُنبلةِ، إذْ كان الشَّاعرِ مهجُوسًا ومشغُوفًا بالقُبل، وأفردَ لها قصائدَ كثيرةً فى ديوانِهِ، إضافةً إلى وُرُود دلالات القُبْلة داخل نُصوص الديوان، ثم بعد ذلك صار أسيرًا للقُنبلة كرمزٍ للتخلُّصِ من جاهليةِ المُجتمعِ، وضرُورة عودته إلى الدِّين الإسلامى من جديدٍ، بمعنى أنَّهُ كفَّرَ النَّاسَ جميعًا، ومن ثمَّ عليهم الدُّخُول إلى الدِّين مرَّةً ثانيةً.

ومشكلة سيد قطب بخلافِ أنَّ الإخوانَ طمَسُوا وغيَّبُوا وأقصُوا إنتاجَهُ الأدبىّ، أنَّ من تصدُّوا لكُتبه الأدبية وشِعْره خُصُوصًا قليلون، كان من بينهم على عبدالرحمن عطية فى كتابه «سيد قطب.. الأعمال الشعرية الكاملة. الجزء الأول» الذى أصدره مركزُ الأهرام للترجمة والنشر فى عام 2012، بتقديم الطاهر أحمد مكى، حيثُ تناولوا مُنجزَه هُو وحسن البنا، وأسبغُوا عليهما صفاتٍ لا تتوفَّرُ إلا فى أصحاب المُعجزات والكرامات، فسيد قُطب من وجهة نظر الطَّاهر مكِّى وهو أكاديمىٌّ حاصلٌ على الدكتوراه من إحدى جامعات مدريد عام 1961، «كان عقليةً فذَّةً، تشى بأن صاحبها سوف يكونُ إنسانًا مرمُوقًا فى غدِه، وإذا كان الإنسانُ عبقريًّا فهُو يأتى إلى الحياة مُهيَّأ لأن يكُونَ فى المُقدمةِ، فى أىّ مجالٍ يختارُه بنفسِهِ، أو يدفعه إليه المُجتمع».

ليس سهلا أن يتركَ شاعرٌ حقيقىّ مُتحقِّقٌ، وعلى قلقِ يقينِه أنه خُلِقَ ليخلُقَ، ويبنى عالمًا من شِعْرٍ، ويذهبَ نحو نشاطٍ آخر، إلا إذا كان هو - لا أحدَ غيره - يرى أنه ليس مُؤهلا لأنَّ يكونَ صاحبَ تجربةٍ شعريةٍ خاصَّةٍ يمكنُ لها أن تحيا، وأن تستمرَ.

لقد ترك سيد قطب عالمَ الشِّعر والشُّعراء، ومازال إخوانُه يضِيقُونَ من الحديثِ حوله شاعرًا أو ناقدًا، لأنَّ له مقاسًا واحدًا، لا ينبغى لأحدٍ أن يُغيِّرَهُ أو يُخلخلَهُ. ولعلَّه من المُفيد أن أعرضَ لقول أحد أنصارِه ومُحبِّيه «الطَّاهر مكِّى» حين يتحدثُ عن الإعراضِ عن نشر شِعْرِ سيد قُطب فيقولُ إنَّها «حذلقةٌ أو مُزايدةٌ لا مُبرِّرَ لها، ولا مكانَ لها فى التفكيرِ الحقِّ السَّليم».

الحديثُ موصُولٌ