فريدة بوفتاس تكتب : حتى لا ينسدل ستار  العتمة على  الخير في العالم 

يتميز مفهوم المقدس عن غيره ،من المفاهيم التي لا ينسحب عليها ما يدخل تحته ، هو كونه (كمفهوم) محاط في حد ذاته بصفة القداسة، أي أنه يتم التعامل معه بحيطة وحذر ، خصوصا حينما يكون مجال القول مسيجا ومحاصرا بتصورات وأحكام تجعله بمثابة حقل ألغام يصعب اختراقه ، في ظل تعدد السلط التي تخول لنفسها حق حمايته باسم مطلق ما .   

ومفهوم المقدس نجده في الغالب يرتبط بالمجال الديني ( الروحي) ، الذي تمنح له كل صفات التبجيل  والإجلال عبر عديد من الثقافات ، وهو يستمد قيمته تلك من ارتباطه بعالم مفارق ، ومتعال ، عالم يتسم بالكمال والنقاء، والخلود، ليصبح عالما ممتلكا لأسبقية بالشرف ، من هنا ينظر على أنه عالم مقدس . وفي مقابله ، يدخل في تعارض تام معه عالم دنيوي مادي حسي ناقص متغير فان ومدنس.
من الأكيد أن ما دفعني إلى التفكير في ضرورة ذلك ، وإلحاحيته ، هو كوني افترض أن العالم الدنيوي يمكن أن نضفي إلى محمولاته (صفاته) محمول المقدس ، على اعتبار أن ثمة ما يوجد في هذا العالم ( الذي طالما نظر إليه على أنه مدنس) ما هو مقدس ، أو بالأحرى ما يمكن أن يتولد منه أو عنه ما هو مقدس ، والذي سيجعلنا لأجله نقدم تضحيات علها تجعل منه كذلك ، وهي تدفع عنه هذا الكم الهائل والمتزايد من العنف .
وهذا سيكون فقط أمرا استفدناه من ماضي الإنسان وتاريخه، بفضل ما حاولت كشفه بعض الأبحاث المهتمة بمسألة علاقة العنف بالمقدس ، والتي نجد من بينها ماجاء في كتاب ل (روني جيرار) ،الذي أكد في كتابه العنف والمقدس ،أن الطبيعة الإنسانية جعلت من الفرد البشري كائنا محاكيا لغيره من الكائنات الأخرى، على مستوى الحاجات ، لتتحول إلى محاكاة رغبات الآخر البشري ، وجعل منه كائنا راغبا ،أي يرغب في نفس ما يرغب فيه غيره ، فتولد عن التنافس والصراع والاقتتال ، لينتقل إلى مستوى الجماعات ، وهكذا يكون العنف المدمر مستدعيا للثأر والانتقام ،(أزمة أضحوية) ، وحتى يتم حفظ دماء الجماعة كان لا بد من التضحية بكبش فداء بشري. ذو مواصفات محددة ، تقوم الجماعة بالصاق كل خطاياها له ، وهو يتحملها ممتصا الأذى عنها ، لتضعه فيما بعد خارجا عنها، ليصبح  بعد هذا مقدسا، ذلك أن  الشخص الأكثر تدنيسا، هو الأكثر قداسة ، ولأنه لا يمكن أن تستمر هذه التضحية بالبشر استبدل بغيره (حيوان) ،لأن الجماعة عليها ان تضمن تعايشها وتبادلاتها الاقتصادية ودوامها فاستمرت في ظل ممارسة طقوس واحتفالات ، تقوم فيها بممارسة عنف على ضحية بديلة ، ضحية ترمز إلى الدنس الذي تم تقديسه.
وهكذا تكون الإنسانية قد وضعت بناء ثقافيا (طقوس ،ديانات ،اضحية ، محرمات ..) لتقضي على عنف مدمر وتجعل السلام يحل بين الناس ، بحيث لا يعود إلى ذلك العنف المدمر الذي كاد أن يقضي على الجنس البشري .

نلاحظ من خلال هذا الموقف الذي قدمه روني جيرار ، كيف ثمة علاقة وثيقة بين المقدس والمدنس ، والعنف . وكيف أن غريزة البقاء كانت وراء هذا التعاقد الخفي …
وهنا ، تبدأ رحلة الألف ميل بالنسبة لكل من يبغي ان يجعل هذا العالم الذي نحيا فيه ( العالم الدنيوي المدنس) عالما ينفض عنه كل آثار الدنس الحقيقية ، وأعني بها هدر الحياة البشرية ، والكرامة البشرية ...التي  كانت النزوعات العدوانية ، التي غدتها المصالح وقودا لها ، والتي أشعلت نارها في حضارات، وثقافات ، دول ..فأردتها رمادا ، هي دعوة إلى التخلي عن كل أنانية ، وعدمية ، وتمركز حول الذات ... التقدير والتقديس الذي يجب أن يحمله الفرد ، لا بد وأن يتخد له موضوعا الإنسان، وذلك بالإيمان بأن له الحق في وجود كريم ، خير ، سعيد ...وهذه مسؤولية ملقاة على عاتق كل واحد منا ، مهمتنا هي ان نضحي من أجل منح هذا العالم اكسير حياة، وجعل الإنسان يحيا وجودا لا يفقد فيه قيمته ، بأن لا يقع تحت اي شكل  من أشكال الاستلاب . ويعيد إليه حريته المفقودة .