حديثُ الجُمُعة : الحلقةُ الثانية عشرة مُشَاحَّةٌ[1] فِي السَّطْحِ !!

بقلم: مصطفى الطوبي

فِي السَّطْحِ تتفتَّحُ بَرَاعِمُ المغْبُونِينَ، ويَخْبُو فَتِيلُ المحْظُوظينَ، فِي السَّطْحِ تفْتَرُّ مَلَكَاتٌ مُتخفيَّةٌ عن أكْمَامِها، فتتفتَّحُ بألوانِهَا السَّاحرةِ أمَامَ لثَاةِ الشَّمْسِ أو تحْتَ نُورِ القَمَرِ اللُّجَيْنِيِّ..فِي السَّطْحِ تشمخِرُّ رَغَبَاتُ المُتْرَبِينَ، وتمتدُّ أيادِي المُكبَّلينَ، وتَشْرَئِبُّ أعناقُ الفضوليينَ فتنُصُّ ذواتها لتصنعَ فُرْجَةً خاصَّةً  بين قُنَنِ المنازلِ والسَّماء المزينة بملايينِ النجومِ..  فِي السَّطْحِ تُسْتَلُّ آلافُ السُّيوفِ المصنوعةِ من الخَشَبِ، ويُعَلَّمُ آلافُ الفرسان الجُبَنَاءِ الذين كانوا إلى قريبٍ مستورينَ في صَمْتهمْ مثلَ الجُرذانِ المتسربلةِ بالظَّلامِ .. كلُّ الكسالَى والمأفونينَ والمعَقَّدِينَ والمُحاصَرِينَ يتنفَّسونَ الصُّعَداءَ حينما يجدون أنفسهم في فَضَاءاتٍ رَحْبَةٍ وطلقةٍ مثل الأَسْطحِ والبَوادِي، والقفارِ، والمرَاعِي ، والمروجِ ،والوديان التي تَعْوي فيهَا الذِّئَابُ، فتصبح عندهم مَلَكَاتٌ هائلةٌ لا تحيطُ بها المُحِيطاتُ، ولا تحدُّها السَّماواتُ، ولا تبزُّها البياناتُ، وتصبحُ عندهم بلاغَاتٌ تزري بسفسطةِ السفطائيين، وهرطقةِ المهرطقين، وحِوَارِ المشائينَ، ويصبِحُونَ مشاغبينَ في سلوكهم، وكلامهم، واندفاعاتهم، عنيدينَ في أهدافهم مثل عِنادِ الضِّبَاعِ الجائعةِ .. وحينما ورَّكَ وَحِيدٌ في سطْحِ الجندي المتقاعد الخميسي ألْفَى أنَّ باديتَهُ المنفتحةَ على ملايين النُّجُومِ بقيتْ حَاضِرةً معهُ في هذا السَّطحِ المنفتحِ على السَّماءِ مباشرةً.. كانَتِ المسافةُ الفاصلةُ بين دوار الكرعة وكلية الآداب أكدال طويلةً نسبيا، ولكنَّ وحيدًا كانَ يطويها رَاجِلاً مثلَ ثعْلبٍ لا يملُّ من العَسَلاَنِ بخطواتِهِ الخفيفةِ. كانَ لا يملُّ مِنَ المَشْي ذهابًا وإيَّابًا إلى وكْرِهِ في سطح دارِ الخميسي ،، يرفضُ قطعًا أن يقدِّمَ درهمًا أبْيَضَ للأطوبيس الأصْفَرِ ..كان راضيًا بواقعهِ، ومطمئنًّا عليه أشدَّ ما يكُونُ الاطمئنانُ، ومُقْبِلاً على دُرُوسِهِ بكَثِيرٍ من الحِرْصِ، وكَثيرٍ من العِشْقِ والتفاني.. يجْلِسُ في قاعةِ الرَّسائلِ فينظرُ في حَجْمِ النُّصُوصِ المُقَمَّشَةِ، ومِقْدَارِ اجْتهَادِ الباحثينَ، فيضيقُ ذرْعًا بهذه التقميشاتِ الثقيلةِ التي تَجْثمُ على هذه الأبْحاثِ بكَلْكَلِهَا فتأخذُ منها النِّصْفَ أو الثلثين، أو أكثر من ذلك كثيرًا، وتَذْهبُ بجدَّتها وبريقِها.. ويضيقُ ذرعًا بهذه الموضوعاتِ العَقِيمةِ التي يعرِّفُ ضمنها البَاحِثُ بالشُّيوخِ، وظروفِ التَّأليفِ، والمَدارِسِ، ويعرِّفُ بالمعرفينَ، ويترْجِمُ المترجمينَ، ويأخذُ من هنا وهنا حتى يكملَ النِّصَابَ الوَرَقي، ويحصلَ على الشَّهادةِ، ويذهب لحالهِ أستاذ جامعيا، ويتركُ في قاعة الرسائل خُرْدتَه الرخيصةَ التي لا تليقُ لأيِّ شيءٍ.. كانَ وحيدٌ  يعشقُ مُحاضَرَاتِ عزة لأنَّهُ يشتغلُ بـ"الخُشيبَاتِ"، ويَخْتبرُ، بهذا الفِعْلِ، القُدُراتِ الأوليةَ عندَ الطَّالبِ،  وينتفضُ ضدَّ أولئكَ المندسِّينَ إلى قاعَةِ السلكِ الثَّالِثِ بالمحسوبية أو القرابَةِ، ويعشقُ محَاضراتِ إدريس لأنه يرَى فيه المُفَكِّرَ  العصامي الذي بَلْوَرَ بنفسهِ تصوُّرًا في النقد الأدبي، ويقدمه للطلبة خطابا منفتحًا على  عَدَدٍ من النظريات التي تفرِضُ نفسَهَا مثلَ نَظَرِيَّةِ التَّواصُلِ، و نَظَرِيَّةِ التواصل التفاعلي، و نَظَرِيَّةِ التلقي.. كانَ يَرَى في الأستاذ إدريس نموذجَ الأستاذ الجامعي الحقيقي الذي يدرِّسُ ما اجْتَهدَ فيه وبلورَهُ بعَرَقِ جَبِينهِ، ولا يقتاتُ من بقايا طرائِدِ السِّباعِ المُفترسةِ مثل الغربان المتسلحة بالنَّعِيبِ.. ويعْشَقُ محَاضَراتِ شوقي لأنهُ ينضحُ بشيءٍ فقط مما يتوفر عليه من العُلُومِ الجديدة التي لا يعرفها المثقفونَ في العالمِ العربي كُلِّهِ.. الأستاذ شوقي كانَ طالبًا مُعاندا وفضُوليا في بَاريس؛ استَطَاعَ بفضُولهِ العلمي  أن يَحْمِلَ معه قبَسًا من عَدَدٍ من العُلُومِ الغميسةِ عندنا مثل الفيلولوجيا، والباليوغرافيا، والكوديكولوجيا، وعلم المستندات القديمة، وعلم الوثائق، ونحو هذا كثير.. كانَ وحيدٌ يفغرُ فاهُ وهو يَرَى الأستاذ شوقي مُنسابًا في شرح الفيلولوجيا مُشَرِّبًا أمثلتَه بالفرنسيةِ، واللاتينيةِ، والإغريقيةِ..ويكبرُ كلَّمَا اقْتَرَبَ منه عَلَمًا سَامقًا في أعْنَانِ السَّماءِ..وحينما يَجنُّ الليلُ، وبعد أن يلتهمَ حفنةُ الصعاليكِ القابعينَ في هذا السَّطحِ (ومنهم وحيد)عشاءَهم بكثيرٍ من الشَّرَهِ، وينقُّونَ الطبسيلَ الأبيضَ بلُبَابِ الخُبْزِ، يبدأونَ في الثَّرْثَرةِ الإيجابية حينا والسلبية أحيانا أخرى.. كان عبد الإله الشابُّ الأنيقُ الرَّاقِي في سِرْبَالهِ وتفكيرِهِ ضَيفًا على بوشعيب ووحيد، حينمَا يدلفُ إلى الغُرفةِ السطحية يتَمَلَّكُكَ بابتسامةٍ جانبيةٍ مديدةٍ.. بوشعيب هو الذي اسْتضَافَه إلى قَضَاءِ بعضِ اللَّيالي في هذا الوَكْرِ العَالقِ في السَّمَاءِ؛  قالَ لوحيدٍ إنَّ أبَاه "ضرسة" كبيرةٌ في مازغان، لذلكَ كان يَهُشُّ به ويَبُشُّ، ويقسمُ عليه ألا يُسْهمَ بدرهمٍ في المصرُوفِ اليومي ..لمْ يكنْ يعْبَأ به وحيدٌ لوْلاَ ثقافتُه المفرنسةُ الدَّسِمَةُ. كانَ يتحدثُ بكانط، وسبينوزا، وديكارت، وبلاشير،  وهيغل، وماركس، وإنجلز،وهابرماس، ولم يكن يستشهد أبدا بالمفكرين العَرَبِ ..  كان عبد الإله يقدِّمُ الفكرَ الغربيَّ في طسْتٍ من ذَهَبٍ، لذلك فقد اسْتَفَزَّ وحيدًا، وحمله على مُشَاحَّةٍ دَائِمةٍ في هذه الغرفةِ النائية عن النَّاسِ و المُفضيةِ إلى النُّجُومِ..  قالَ وحيدٌ في إحدى الليالي السفسطائية: يَجِبُ أن نقرأَ الدِّينَ جيدا يا عبد الإله !!

قال عبد الإله: أجدُ حَرَجًا حينما أتدبرُ كلمة "الأفيون" المُوظَّفة في هذا السِّياقِ..  

أجَابَ وحيدٌ، وقد تذَكَّرَ "حادثة البوهالي": لا بد أن تحدد المقصود بالدِّين..هل تُرِيدُ صورة الدين  كما يبدو في المجتمعات التي تتوخَّى منه أمورًا أخرى سياسية مثلا، أم صورة الدين كما هو في أصْلِهِ..

أجَابَ عبد الإله، وقد رضيَ بوضعِهِ هذا ضَيْفًا على زملائِهِ في الكلية، ومقتدرًا على الحوار الفكري الهادف: أقصِدُ كيفَ يفهمُ الناس الدِّينَ..

قال بوشعيب وكان مقصيا إلى حد ما من هذا النقاش ومقبلا فقط على النحو والعروض واللغة : ما معنى" أفيون"؟؟

ابتسمَ عبد الإله ابتسامةً ساخرةً، وأجابَ بصَوْتٍ خَافِتٍ: مخدِّر.. ههه..

قالَ وحيدٌ، وقد أشْعلَه هَذا الحِوَارُ: أنا لا أتَحَدَّثُ بتاتًا عن فَهْمِ النَّاسِ للدينِ، أنا أتحدَّثُ بوجه خاصٍّ عن الدين في ذاتِهِ..

قال عبد الإله: هههه هذه كذبة صراحٌ !!،، لا يمكن يا أخِي  استيعاب الدين إلا داخلَ المجتمع..

قالَ وحيدٌ: طيب ما قولُكَ في الميتافيزيقا؟؟

قال عبد الإله: خارج طبيعة البشر، إنها الخرافاتُ والأوهامُ ..

وحيد: ممتازٌ إذن أنتَ تقولُ بطريقة أخرى إنَّ أيَّ شيءٍ يَخْرُجُ عن إدْراكِ البَشَرِ فهو أوهامٌ .

عبد الإله: تمامًا كما تقُولُ..

وحيد:  تمهلْ معي من فضلكَ،  حتى نقولَ في الموضوعِ خطوةً خطوةً..دَعْنا أوَّلاً نتحدثُ في المعْرفةِ يا عبد الإله.. سؤالي هو :هَلْ نحنُ -أقصدُ البَشَرَ- قادرونَ فعلاً على أن ندركَ كلَّ شيءٍ في عالمنا الفيزيقي بلْهَ في أي عالمٍ آخرَ؟؟ أقصدُ هل يمكنُ أن ننظرَ إلى كلِّ الألوانِ ؟؟هل يمكنُ أن نسمعَ كلَّ الأصْوَاتِ؟؟ هل يمكنُ أنْ نلمسَ كلَّ الأجسامِ؟؟ هلْ ندرك كلَّ الأمورِ؟؟

عبد الإله: طبعًا لاَ ألا تعرف أن "إينشتاين" قال بـ"النسبية"..

بوشعيب: غريب !! "إينشتاين" الذي رَسَبَ في معهدِ الدِّراساتِ الجامعيةِ، وتأخَّرَ في النطقِ، وكانتْ حياتُه حَافلةً بالفَشَلِ و و.. !!

وحيد: طيب،  بِنَاءً على هذه المسَلمَةِ التي توضِّحُ أنَّنا لا يمكنُ أن نُدركَ كلَّ شَيْءٍ في هذا البعد الفيزيقي، بلْهَ أن نُدْرِكَ أمورًا أخْرى في أبْعَادٍ أخرى ..فمنْ أعطاكَ يا عبد الإله إذن الصلاحيةَ لكي تتأكدَ من أحكامِكَ، وتقولَ بقطعيتِها ، وتذهبَ بناءً على ذلك إلى أنَّ أيَّ شيءٍ لا نصلهُ بالإدْرَاكِ أوهامٌ وخرافاتٌ..

عبد الإله: إذا لم ندرجْها في الأوهام والخرافات، فهي وسائلُ قاتلةٌ للعقلِ والتفكيرِ..

وحيد: أسَلِّمُ معكَ أنَّ هناكَ أشياءَ كثيرةً تدخلُ في هذا النطاقِ، ولكن لا يجبُ أنْ يسحب هذا الأمرُ البساطَ من تحتِ أمورٍ لا ندركها نحن البشرُ..

عبد الإله : ماذا تقصدُ؟؟

وحيد: أوَّلاً لا أريدُ أن أسمي الميتافيزيقا بهذا الاسْمِ، لأنها تَشَبَّعَتْ في الفكْرِ البشريِّ بدِلالةٍ قدحيةٍ، أريد أن أسميهَا البعد الآخر؛ البعد فوق بشري.. أقصدُ البعد الذي لا تسمح حواسنا بإدراكه، ولكن عقلنا الخالي من الشوائب يدركُه. دعني أفسرُ لكَ يا عبد الإله، نَحْنُ معتادونَ على الأمُورِ التي سَيْطَرْنا عليها بحواسِّنَا، لذلك عَكَفَ الناسُ قديما على الأصنام يعبدونَها لأنها لا تخلخلُ الإدراك الفيزيقي، فهي مرئية  فيزيقيا كما أن البَشَرَ مرئيٌّ في بعدهِ الأرضي، وهي تحتل مكانًا واحِدًا كما أن البشر بطبعه يوجدُ في مكانٍ واحدٍ، و لا يمكن أن يوجد في مكانين، وهي زمانيةٌ راضخة للزمن الأرضي، وهي مألوفة لأنها منحوتة على صورة البشر،، إنها لا تكلِّفُ الإنسان أيَّ جهدٍ للإدراكِ،، وهذا قِمَّةُ الحقارةِ والضَّآلةِ العقليين؛ فالبَشَرُ ها هنا لم يتزحزحْ عن المسلماتِ الفيزيقيةِ قيدَ أنملة دونَ أن نتحدثَ عن الأخْذِ ببُعْدٍ آخَرَ غيْرِ البُعْدِ الفيزيقي ،، وفي هذا البعد نفسهِ ستحدث أمُورٌ صادمةٌ لمحدودية إدراكنا، فنحنُ لم نكن نعتقِدُ يوما أننا سنسافرُ محمولينَ على آلةٍ  في الهَواءِ، لذلك سَخِرَ الناسُ من أوَّل محاولة للطيران يقومُ بها عربي، ولم نكنْ نعتقد يوما أننا قدْ نُرْسِلُ أصْوَاتنا وصورَنا بعيدا بآلاف الكيلمترات عبر أداةٍ نحملها في أكفنَا،و لم نكن نعتقدُ يوما أن ثمةَ جسمًا مثل أشعة الليزر قد تخترقُ أجْسَامنا .. لا يمكن أن ندرك كائنا حيا يمتدُّ في الطُّولِ إلى كيليمتر، أو عشرة كيليمترات، أو ألف كيليمتر.. لا ندركُ ولا نكادُ ندركُ كائنًا لا ينظر بالعين المجردة وهو موجود الآنَ، لا ندرك كائنا مصنوعا من مادة أخرى غير الطين.. إذن نحن ندركُ ما يتناسبُ مع حواسِّنا ،بل كنَّا نعرفُ أن الذي يخترق أجسامنا هو السَّيفُ أي هذا المجسم المادي المرئي..هذا يعني يا عبد الإله أننا نعيشُ في بعدٍ خاصٍّ هو البعد الأرضي الفيزيقي المرتبط بإدراكنا البَسِيطِ. ومعنى هذا يا عبد الإله أننا يَجِبُ أن نسَلِّمَ أولا بمحدودية إدراكنا، ونقبلَ ثانيا أنَّ هذا الكوْنَ العَظِيمَ المُنظَّمَ في أرقى دَرَجَاتِ النظام، والبعيد إلى أقصى دَرَجَاتِ البعد، لا يمكن في عظمته هاته، وفي مهابته هاته،  أن يبقى رهينًا بإدراكنا البَسِيطِ والبَخِيسِ. فنحنُ إذا كنا محظوظين بالعيش في هذا الكونِ الهائلِ المليء بالألغازِ بسخاء ناعمينَ بفضْلٍ عَميمٍ، لا يعني هذا  أن نمارسَ السيادةَ الاستبدادية..

عبد الإله: ماذا تقصدُ بالسيادة الاستبدادية؟؟

وحيد: أن نعتقدَ رُغْمَ محدوديةِ إدراكِنَا ،وتفاهةِ تفكيرِنَا، وصِغَرِ أجْسَامنا أنَّنا نمتلكُ الحقيقيةَ، ولا نعتقدُ فقط أنَّنا نمتلكُ الحقيقة، بل نظنُّ أننا أسياد في امتلاكنا لهذه الحقيقةِ..

بوشعيب: العلْمُ هو الحقيقة !!

عبد الإله: كانتْ أوربا تعتقدُ أن الحقيقة موجودة في الكنيسة، فانتبهتْ أخيرا إلى أقصى درجات الاستغلال الاجتماعي باسْمِ الكنيسةِ .. يا أخي أنا أفضِّلُ أن نحتكمَ إلى إدراكنا البسيطِ، وننطلقَ من طبيعتنا البسيطةِ، على أن ننطلقَ من عالم مُفَارقٍ لنا ،ونستغلَّ النَّاسَ باسم هذا العالم..

وحيد: نعم أنا أتفقُ معك نسبيًّا فيما تقولُ إذا كانت المرجعيةُ التي نحتكمُ إليهَا مُزَيَّفَةً. استغلال الديانات الأرضية، والدين السماوي ،والخرافات، والأوهام، والأشباح اللامرئية، هي عملة رائجة إلى اليوم، مارَسَتْ سطوتَها على التَّفكيرِ البشري زمنا طويلا، ولكن هذا لا يعني الطعن في الدينِ نفسهِ أبدًا على الأقل في حقيقته البعيدة عن أي تأثير اجتماعي أو سياسي أو ثقافي..أنَا أعْتبِرُ الدينَ كوةً يَدْخلُ منها نورُ الحقيقةِ، وأعتبرُ الأنبياءَ والرُّسُلَ أشخاصا استثنائيينَ لأنهم اتَّصلوا بهذه الحقيقة مباشرة، وفي مقابلَ ذلك أعتبرُ أنَّ البَشَرَ مخلوقاتٌ غريبةٌ مُشاكسةٌ كلمَا جاءها نُورٌ من السماء أطفاتْهُ، وتمرَّدَتْ عليه، واستمرتْ في غَيِّها وظلالِها ..والتاريخُ شاهدٌ على هذا الذي أقولُ. إنني أريدُ أن أقولَ على الأقل إن هناكَ حقيقة مستقلةً يجبُ أن نجتهدَ في إدْراكِهَا بمعزلٍ عن التأثيرَاتِ المذهبيةِ ،والطائفيةِ ،والسياسيةِ ،والاقتصادية، والاجتماعيةِ..

عبد الإله: يا أخِي لا تكن ضدَّ التقدمِ والحضارةِ !! نحنُ لا يمكن أن نعودَ القهقرى إلى الوَرَاءِ لكي نُدْركَ المنظوماتِ الفكريةَ والدينيةَ والعقديةَ القديمةَ ..نحن في عصر الصاروخِ، والطائرةِ، والحاسوبِ، والهاتفِ المحمولِ ..

وحيد: هذه الأمورُ يا أخي هي فقط انبهار بالحضارة الغربية، وبالتقدم البشري الضئيل، ولا يمكن بناءً عليها أن نعرضَ عن الحقيقةِ ..والدينُ في فلسفته الوجودية ليس تقهقرا أبدًا ،بل هو لبُّ الصَّوابِ، وجميع الرسل شرعوا الدينَ أمامَ الاجتهادِ ..

عبد الإله: عن أي اجتهادٍ تتحدثُ يا أخِي..

وحيد: الاجتهادُ الذي ينطلقُ من النقطةِ التي وَقَفَ فيها النصُّ، وقد شرع لنا الدين استخدام العقل، فلماذا نغض الطرفَ الآنَ عن هاته البداهات..

عبد الإله: أعتقد أنك الآن قريبٌ مني تماما حينما تحدثت عن استخدام العقل ..هذا العقل نفْسُه هو الذي يدعونا إلى الابتعاد عن الخرافات، والهرطقات، والإديولوجيات..

وحيد: (مبتسما هذه المرة ) ولكنني أعرفُ ماذا تريدُ أنتَ منَ العقلِ.. أنْتَ تريدُ أن تسيِّدَ العقلَ، أن تجعَلَه سيِّدًا مطلقا على معرفتنا ووجودنا وكياننا ونحو ذلك ، وأنا أريدُ أن أجعلَ العقلَ عنصرًا فاعلاً في منظومةِ التفكيرِ البَشَرِيِّ، وأبجدياِت التأمُّلِ، وطريقة الوصولِ إلى الحقيقةِ..فالدِّينُ يشرعنُ العقْلَ والنقلَ، وكلاهما مصدران أساسيان في إدراك الحقيقةِ..

عبد الإله: بل يجبُ أن نعوِّلَ على العقلِ مائة في المائة..

وحيد: انتبهْ  إنَّ هناكَ سِرَّا خَفيًّا فِي وجُودِ الإنْسَانِ ..هناكَ حلقة مفقودةٌ عبثًا حَاوَلَ الأنبياءُ والرُّسُلُ تنبيه النَّاسِ عليها ، ولكنَّ  النَّاسَ يقبلون العتَمَةَ،ويكتفونَ بما تحْتَ أيديهم، ورهن قدراتهم  عن هذا اللغْزِ، بحثوا عنه في المحسوسات التي ترتبطُ بإدراكهم، فعبدوا المجسماتِ والأشياءَ المرئيةَ، وبحثوا عنه في الغيبيات فأخذوا بأمور غير صحيحةٍ مثل الأرْواحِ الخفيةِ وتناسُخِ الأرواحِ، وبحثوا عنه في المنشآت الفكرية فقدسوا هذا البصيصَ الضئيلَ مما أنتجه عقلُ البَشَرِ، واعتقدوا أنَّهُ الخَلاَصُ من التيه، والحالُ أنه ليسَ خلاصا.. الأنبياءُ هم  أول من أدرك الحقيقة، هم الذين رفعت أمامهم الأستارُ، فانتبهوا على هشاشة إدراكنا ..حينمَا جاء جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لأول مرة،، كان الرسولُ بعد حادثة الغار ينظر إليه في كل مكان، ثم أصبحَ  فيما بعد ينظرُ إليه وحدهُ دون أن يدركَهُ الآخرونَ بأبصارهم ، وهذا يعني زلزلة القبول بالوجود الفيزيقي فقط ، وزلزلة الركون في مكان قار، وإمكانية التواجد في أمكنة عديدة لمخلوق آخرَ مرتبطٍ ببعدٍ آخرَ.. أجلْ جبريل هو مَلَكٌ، بمعنى أنه مرتبط ببعدٍ مُختلفٍ عن البُعدِ الأرضي ومعنى ذلك أنه خارج المحسوسات المألوفة،و يتجاوزُ الزمان والمكان الأرضيين ..إذن فكرة المكان والزمان نسبيان يرتبطان بالبشر فقط ..مسألةُ الجُحُودِ هي فقط عجزٌ عن التخلصِ من الهرطقة الأرضية التي تقدس الإدراك البشري  والقبول بالموجود خارج قدرة الإدراك عبر الاستنباط العقلي..مسألة الجحودِ هي عَجْزٌ عن إدراك كلِّ جزئياتِ البعدِ الأرضي، وإدراك وجود أبعاد أخرى غير البعد الأرضي.. وقديمًا تخلَّصَ ابنُ رشد في ضميمة "فصل المقال.." من إشكالية كبرى طَرحَهَا المتكلمون منذ القديم ومفادها؛ هل عِلْمُ اللهِ بالمَوْجُودَاتِ فِي حَالِ وُجُودِها هو علمُه بهَا قبْلَ أن توجدَ، أم أنَّ علمَه بها في حَالِ وجودِهَا هو غيرُ عِلْمِهِ بها قبلَ أن توجدَ ؟؟؟والقولانِ معا مغلوطانِ حسبَ ابن رشد لأنَّ عِلْمَ الله لا يرضخُ لمقولةِ الزَّمن الأرضي أي لا ينطبق عليه القبلي والبعدي ..نحن إذن يا أخي عبد الإله مطالبون بالتخلص من المسلمات الخاطئة لحواسِّنا ..

عبد الإله: ماذا تقصد أن الأنبياء أولُ من أدركَ الحقيقةَ..

وحيد: إن تواصلَ إنْسَانٍ مُنتَخَبٍ مع الله مباشرةً أو مَعَ مَلَكٍ سماوي هو مفتاحُ الحقيقة.. الحقيقةُ التي تجعلُ الشخصَ يدركُ هشاشَةَ البَدَاهاتِ التي نتمسكُ بها، ويقبلُ بالإيمان ..الإيمانُ خطوةٌ عملية في رسْمِ نِطاقِ الأنطولوجيا الدينية، واعترافٌ ضمني بضحَالةِ الإدراكِ الفيزيقي ضمن هذا البعد الذي نعيش فيه ..انتخابُ شَخْصٍ بشريٍّ لكي يُطِلَّ على كوَّةِ الحقيقةِ من خِلال مَلَكٍ سماوي، ويحملَ رسالتَه إلى قومٍ أو قبيلةٍ أو الناس أجمعين هو تذكيرٌ بالمسؤولية التي يتحمَّلُها البَشَرُ، ليستْ هناكَ أيُّ صدفةٍ في الوُجُود. هناكَ في المقابلِ تكليفٌ ثقيلٌ  ..ستكونُ الرِّسالةُ النهائيةُ ناسخةً لباقي الرسالات، وسيكونُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل، وستبقى معجزة القرآن حاضرةً في كلِّ زمان ومكان أما معجزات باقي الأنبياء فهي موجودة بالإيمان ومرهونة أرضيا بمقولتي الزمن والمكان لأنَّ الدينَ عند الله واحدٌ.

عبد الإله: مهْلاً !! تَجَاوَزْتَ السُّرْعةَ المطلوبة يا أخِي ههه !!

بوشعيب: كيفَ نَعربُ "فقط" من فضلكما؟؟

عبد الإله :يقومُ من مَكَانِهِ ويشيرُ إلى وحيد بسبابته كأنما يعرِّفُه ببوشعيب لأولِ مَرَّةٍ .."ها النحو أخويا ههههه"

....

-يتبع-

 


[1] -مناقشة ،مماحكة، جدل، حوار..