الفنان محمد رشدي المفرج يكتب مذكراته ل"كش بريس" : عندما منعتنا إسرائيل من دخول الأراضي الفلسطينية .. - 3 -

    طالما حلمت برؤية القدس بعبقها التاريخي وتنوعها العقدي والصلاة بأولى القبلتين وثالث الحرمين ..

هذه المرة كانت الوجهة فلسطين والحدث : المشاركة في المعرض الدولي للنشر والكتاب الذي نظمته السلطات الفلسطينية ، وكان المغرب ضيف شرف هاته الدورة . 

.. انطلقت الطائرة بنا من مطار محمد الخامس بالدار البيضاء باتجاه مطار عمان الدولي بالأردن الشقيق مرورا بمطار الدوحة بدولة قطر. هناك حيث قضينا ثماني ساعات مملة في انتظار الطائرة التي ستقلنا إلى عمان .. كنا خمسة : السوبرانو سميرة القادري ، نبيل أقبيب (كمان) ، هشام زبيري (عود) ، المرحوم محمد الخليفي (ايقاع) وعبد ربه (قانون) .

عند وصولنا كان في استقبالنا رجل فلسطيني طويل القامة، أصلع الرأس، سريع الحركة والخطوة..  أخذ منا الجوازات لتسهيل إجراءات الجمرك وكانت علامات القلق بادية على وجهه النحيف وعينيه الغائرتين. وعند عودته رسم على محياه ابتسامة أحسست بين ثناياها – وعادة إحساسي لا يخيب – أنها تخفي أمرا..!

خرجنا من المطار متجهين نحو الفندق وأي فندق !! إنه Land Mark  الذي قتل فيه  المخرج السوري الكبير الشهيد مصطفى العقاد، صاحب أعظم فيلمين تاريخيين في السينما العربية :  الرسالة وعمر المختار . ونحن في الطريق التفت إلينا الرجل الفلسطيني والذي لم يتوقف هاتفه منذ التقيناه ثم قال متأسفا :

  •  سيبقى اثنان منكم بالفندق، بينما سيذهب الباقون معي إلى معبر الجسر لدخول فلسطين، لأن الكيان الصهيوني لم يسمح بمرور الفرقة كلها، ولم يعط تصريحا بالدخول إلا لثلاثة موسيقيين فقط.. وسنحاول جاهدين إدخال العازفين الباقيين ..!!

نزلت أنا وعازف الكمان ذ. نبيل أقبيب من الحافلة وأخذنا متاعنا.. فقد كنا الممنوعين من الدخول الى فلسطين !!  بينما أكمل الباقون الطريق في حالة من الارتباك والحيرة ..

   عند مدخل الفندق وجدنا دبابتين حقيقيتين والعساكر مدججون بالأسلحة جالسون فوقها .. وعند الاستقبالات التقينا مجموعة من المغاربة.. حيث تبين أنهم منعوا كذلك من دخول فلسطين وكذا حرموا من حضور المعرض والمغرب ضيف شرف ! .. وكان من بينهم أدباء وشعراء وكتابا مرموقين وأسماء لها وزنها في عالم الثقافة والأدب والصحافة ببلادنا والعالم العربي .. وعددهم فاق المائة.. وكان الكل يتساءل ولا من مجيب !..

    في غرفة جميلة وواسعة استلقيت على الفراش ونمت نوما متقطعا فقد كنت تعبا ومتوترا وانتابني الخوف على اصدقائي.. إذ كيف سيكون العرض الموسيقي بعود ودف فقط ؟ وبدون آلتي الكمان والقانون؟ . وهل سيسمح لنا بالدخول الى فلسطين فعلا ؟.. ولم منعنا نحن فقط ولم يمنع الآخرون ؟ .. بت ليلتي الاولى اتخبط في دوامة من الأسئلة والاحتمالات . وفي صباح اليوم التالي ، تلقينا اتصالا هاتفيا من السوبرانو سميرة القادري تخبرنا أنها والأخرون بخير ، وأنهم وصلوا رام الله ، وأن الصهاينة لم يصرحوا لنا بالدخول والسبب أننا نحن الاثنان حاصلان على إجازة في الشريعة الاسلامية من كلية أصول الدين بتطوان !!! ولم يتقبلوا فكرة ان يكون الموسيقي متدينا ودارسا للدين .. طبعا، كانت ذريعة منهم لإفشال العرض والمعرض عموما ، بدليل انهم اقترحوا على السوبرانو سميرة وبإلحاح شديد ان تغني بمصاحبة الأوركسترا السيمفوني لتل أبيب لكنها رفضت !! .. وعليه اقترح المنظمون تعويضنا بعازفين فلسطينيين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه !

تناولنا وجبة الافطار رفقة الشاعرة وفاء العمراني والشاعر حسن الوزاني وتجاذبنا أطراف الحديث حول هذه المأساة وهذا الجرح العربي العميق. ثم قمنا بجولة في أرجاء مدينة عمان نستكشف معالمها ونسلي أنفسنا .. فكنا نقضي اليوم كله في الطرقات والأزمة والمساجد والأسواق،  ولا نعود إلا ليلا .. وفي يوم الجمعة حضرنا درسا دينيا، وصلينا بمسجد الملك حسين وهو تحفة معمارية جميلة تتربع على إحدى ربوات مدينة عمان السبعة ..

     ونحن نتجول بين دروب وأزقة المدينة القديمة، دخلت رفقة الأستاذ نبيل الى متجر للعبايات والزي الفلسطيني الاصيل، فاشتريت لزوجتي جلابية تقليدية سوداء عليها زخارف هندسية باللون الاحمر ومعها وشاح وحقيبة يدوية بنفس الالوان .. أعجبت بالزي لدرجة أنني لم أجادل في ثمنه رغم أنه كان مبالغا فيه نوعا ما .. ثم دخلنا متجرا أخر بعد إلحاح من صاحبه ووجدت عنده نفس الجلابية التي اشتريتها .. استفسرته عن ثمنها، ومن طريقة سؤالي استنتج التاجر أننا من المغرب. فأخذ يمدح المغرب وشهامة ورجولة أهل المغرب، ومواقف ملك المغرب ووقوفه ودعمه للقدس وللفلسطينيين .. ثم أتى بكرسيين وكأسين من الشاي وطلب الشيشة ثم قال :

  • خذا ما شئتما  فو الله ما أخذت منكما درهما..  انتم المغاربة افضالكم علينا كثيرة وإن فديناكم بأرواحنا ما وفيناكم أجركم ..

كان موقفا غريبا بالنسبة لنا ، فكنا بين الفخر بالانتماء للمغرب مع هذا الكم الزاخر من الإطراء والتبجيل والحذر مما قد يخفيه هذا الكلام من مكر أو خداع .. ! حينها بعد أن شكرناه وأثنينا على عروبته وكرمه  الحاتمي ، صارحته قائلا:

  • لقد اشتريت جلابية تقليدية هدية لزوجتي من متجر قريب، وكنت أود شراء أخرى لوالدتي ولم يبق معي مال كثير.. ولكني لن آخذ شيئا دون أن أدفع ثمنه .!

حينها سألني أن أريه ما اشتريته وممن، وبكم.؟ وما ان أخبرته حتى تغير لون وجهه وحمل مقتنياتي ثم تركنا وخرج من متجره غاضبا..!! بعدها سمعنا صراخا في الشارع وأخذنا الفضول فخرجنا نستقصي الخبر، فإذا بصاحبنا وقد نزل في التاجر الأول لوما وشتما بينما الآخر مطأطئ رأسه ويصيح فيه :

  • كيف تبيع للمغاربة بأضعاف الثمن وهم من فدونا بأموالهم ودمائهم ؟!!!  كيف نخون هؤلاء وهم عزوتنا ، والوحيدون في العرب الذين لم يخذلونا ولم يتخلوا عنا ؟؟!!!...

بعدها اقتحم متجر الآخر وخرج وفي يده أوراق نقدية وعاد الى متجره حيث كنا ننتظره وقال :

  • سامحونا جازاكم الله .. هذه أموالكم التي دفعتموها التاجر الأول ..خذوا ما شئتم ووالله لن نأخذ منكم شيئا ..!!!

في ذهول أجبته :

  •  نشكرك على موقفك الشهم الكريم ، ولم يكن هناك داع لكل هذا .. وكما قلت سابقا لن نأخذ شيئا دون ان ندفع ثمنه .!

أخرجت ما كان معي من مال ، بينما أخرج الرجل بعض العباءات الرائعة  فاشتريت منها واحدة وصديقي واحدة .. ولم اقبل المال الذي استرجعه من التاجر الاول ، هنا أخذ عباية أخرى واهداني إياها  ثم احتسب ما اشتريناه بأقل من نصف الثمن .. بعد ذلك انصرفنا عائدين نحو الفندق،  ولا زالت علامات الدهشة والارتياب تصاحبنا ، ولا زالت وجوه الناس ترمقنا بنظرات وابتسامات .. بينما زاد اعتزازنا وفخرنا بانتمائنا لبلدنا .

في الفندق، أخذنا وجبة العشاء واتجه كل واحد منا إلى غرفته، ولفرط التعب لم نلتق بعد ذلك ولم نتسامر بالليل وراح كل واحد في سبات عميق ولولا ما قض مضجعي من  دوي لطلقات الرشاشات والمسدسات في جوف الليل ..!! حيث اذكر انني استيقظت مفزوعا .. وقفزت من الفراش قاصدا النوافذ .. نظرت بحذر ! .. فكان كل شيء طبيعيا .. السيارات تعبر الشارع الكبير بأمان ، والدبابتان ساكنتان في مواقعهما .. ولا أثر لحرب أو إرهاب !! ثم تذكرت صاحبي فارتميت على الهاتف  .. وبصوت متثائب وبكلمتين لا غير أجابني :

  • عرس.. عرس ..!

عشية يومنا الخامس ، كان في انتظارنا بباب الفندق صديق لصديق لنا بالمغرب.. محام أردني له عشق غريب للمغرب والمغاربة، حيث أنه درس القانون بين مراكش والدار البيضاء لمدة عشر سنوات، كما أخبرنا أنه كان ضمن الهيئة الدولية للدفاع عن الرئيس العراقي الشهيد صدام حسين !!

أخذنا في جولة بسيارته الرباعية الدفع،  فزرنا مجموعة من المعالم الأثرية كجبل القلعة ومتحفها الجميل والمسرح اليوناني .. وبسبب ضيق الوقت وبعد المسافة لم يتسن لنا زيارة البحر الميت والبتراء . في المقابل، أخذنا لنكتشف أسرار المدينة كالمقهى الادبي والمزارات ومحلات الكنافة والزعتر والقهوة العربية... ثم بعدها أخذنا لزيارة بيت صهره (أبي زوجته) وهو مناضل من الخليل، أصيب برصاصة في عموده الفقري أفقدته القدرة على المشي .. فرح بزيارتنا كثيرا، وما فتئ يروي لنا عن أمجاده وبطولاته النضالية بفلسطين ولبنان حيث كان الذراع الأيمن للرئيس اللبناني الشهيد رفيق الحريري..

    مر الوقت بسرعة ، واضطررنا الى الانصراف أو الهروب إن صح التعبير .. فطوال الزيارة كنت أداعب أصغر أبناء صديقنا بشار، وإذا به يتعلق بي لدرجة أننا عندما هممنا بالانصراف دخل في نوبة من التعنت والبكاء الشديد أمام ذهول واستغراب أمه وإخوته وجده ! عندئذ التفت صديقنا نحو زوجته قائلا :

  • ألم أقل لك أن للمغاربة سحرة !؟ ستحبهم وتتعلق بهم ولو رأيتهم أو جالستهم لمرة واحدة..! فلا تلوميني على محبتي وعشقي للمغرب وأهله ..!

عدنا الى الفندق في وقت متأخر، وكنت قد جمعت حقيبتي فاضطررت لإعادة ترتيبها من جديد لفرط ما جلبت معي من مقتنيات وهدايا جديدة .. وفي صباح اليوم التالي انطلقنا نحو المطار حيث التقينا بأصدقائنا بعد عودتهم من فلسطين،  لتبدأ رحلة العودة الى الوطن ..

على متن الطائرة قلت لصديقي نبيل :

  • أكثر ما آلمني في هذا الرحلة أنه لم يكتب لنا أن نصلي في القدس !

فأجابني :

  • لم يشأ الله أن نصلي فيها وهي مغتصبة ! فمن يدري..؟ لعله تعالى أرادنا أن نصلي فيها وهي حرة !!