
قال أنطوان تشيخوف أحد رواد القصة القصيرة في العالم: «الجحيم هو الكتابة للأطفال». والروائي تولستوي مبدع الروايتين الذائعتَي الصيت: «آنا كارنينا» و«الحرب والسلم»، سئل يوما لماذا لا يكتب للأطفال، فأجاب: «لم أصل بعد إلى هذا المستوى من العبقرية».
لعلي لا أجانب الصواب إذا عمّمت مضمون هذين القولين على الكتابة لكل من الطفل واليافع. ذلك أن الأدب الموجه إلى فئة اليافعين محفوف بصعوبة بالغة ومتطلب لمقتضيات مجهدة، ومن السذاجة الاعتقاد بأنه أدب بالوسع اجتراحه بيسر وسهولة، طالما أنه موجه إلى المتلقي اليافع الذي لم يشارف بعد نضج الكبار الذين خبِروا الحياة وحظوا بقدر كبير من المكتسبات المعرفية والثقافية.
والواقع أن سر صعوبة الكتابة لليافع يرجع أساسا إلى طبيعة شخصيته؛ فالكاتب، وهو يغامر بالكتابة للقارئ اليافع، مطالب بالتماهي مع شخصيته، والارتقاء إلى مستوى الاستجابة إلى حاجاته واهتماماته، مستندا إلى روافد متعددة:
أولها: حفر الكاتب في أعماق ذاكرته، لاسترجاع طوْر يفاعته، بحيث يستكشف كيف كان يحس ويفكر ويتصرف، في مختلف المواقف.
ثانيها: استنفار الكاتب لخبرته بعالم اليافعين، بحيث يستعيد ما سجّله وعيُه وما ترسّب في لا وعيه عن شخصيات اليافعين في محيط الأسرة والمدرسة والمجتمع.
ثالثها: استلهام الكاتب لشخصية اليافع في الأدب الرفيع، سواء كان أدبا محليا أم عالميا.
رابعها: اطلاع الكاتب على بحوث علوم النفس والتربية التي سلطت الأضواء على شخصية اليافع، من حيث أبعادها النفسية والعقلية والسلوكية، فكشفت عن احتياجاتها ورغباتها وميولاتها واستعداداتها في مختلف مراحل نموها.
تشكل هذه الروافد خلفية أساسية للكاتب المقدم على الكتابة لليافعين، إلا أن الانخراط في العملية الإبداعية يقتضي تسلح الكاتب بمؤهلات وقدرات تتيح له استثمار تلك الروافد، ولا شك أن أبرزها يتمثل في اختيار الموضوع المناسب للمتلقي المخاطب، والقدرة على التخييل، والكفاءة اللغوية والسردية، ومهارة التشويق والإثارة، والقدرة على بث رسائل قيمية إنسانية وأخلاقية وتربوية.
وسَعْيًا وراء إضاءة هذه المؤهلات والقدرات على نحو محسوس، فإني سأستحضر تجربتي المتواضعة في الكتابة للفتيان:
يعود اهتمامي بإبداع نصوص للأطفال والفتيان إلى سنة 2009، حيث نشرت في مجلة مجرة المغربية قصة طويلة تحت عنوان “المفتاح الذهبي والعصفور الخشبي”، وعَقِبَ هذه القصة كتبت مسرحيتين مدرسيتين، إحداهما بعنوان “جائزة الباني”، والأخرى بعنوان “دردشة”، ثم شرعت في تأليف مجموعة من القصص القصيرة صدرت سنة 2024 تحت عنوان “الإبرة الذهبية وقصص أخرى”، وفي سنة 2022 أعدت النظر في قصة “المفتاح الذهبي والعصفور الخشبي”، فأخضعتها للتعديل والتنقيح، مُطوّرا حبكتها على نحو مفصّل، لتتحول إلى رواية للفتيان تحت عنوان “الرحلة العجيبة إلى الحمراء”، وهي الرواية التي حازت جائزة كتارا وصدرت عن دار كتارا. ثم تلت هذه الرواية روايتان أخريان مخطوطتان، هما: “صيّادو المخطوطات”، و”دجال إيجليز”. وأنا عاكف حاليا على كتابة روايتي الرابعة للفتيان تحت عنوان “الأفقعوط”.
إن سقت رواية “الرحلة العجيبة إلى الحمراء” كمثال لإيضاح فكرتي السالفة عن مؤهلات وقدرات الكتابة للفتيان، بإمكاني أن أقول:
أولًا، إن أول مؤهل يفترض توفره في الكاتب هو قدرته على اختيار موضوع يلائم المرحلة العمرية لليافعين. فلا يملك الكاتب حرية تضاهي حريته عند الكتابة للكبار، إذ يجد نفسه مضطرا، من جهة، إلى تفادي الموضوعات الشائكة والمثيرة للجدل، خصوصا ما يتعلق منها بالطابوهات في الدين والجنس والسياسة، ومن جهة أخرى فهو مدعو إلى انتقاء موضوع يشد اهتمام اليافعين ويستجيب لأفق انتظارهم، من حيث كونهم أشخاصا يميلون إلى تحقيق الاستقلال الذاتي، ويسعون إلى إثبات وجودهم، ويتسمون بالفضول المعرفي وحس المغامرة والتطلع إلى إنجاز الأحلام. لهذا اخترت لروايتي موضوعا يتجسد في رحلة يقوم بها الفتى زياد من بلدته أغمات إلى مراكش، مدفوعا بالرغبة في العثور على عمل يحسن وضعه المعيش، ويسعفه في بناء مستقبل زاهر. وقد تخللت هذا الموضوع الإطار، مواضيع متعددة شملت علاقته بوالديه، وعلاقته بصديقيه، وتعلمه حرفة الكتبي، واختباره لتجارب علمية، ومقاساته لألم السجن.
ثانيًا، إن القدرة على التخييل شرط لازم لإبداع رواية تحظى باهتمام اليافعين. إذ ألفيت نفسي أكابد معاناة الانتقال من رؤية القاص الذي يقتصر على الاشتغال على لحظة من لحظات الحياة، إلى رؤية الروائي الذي يشتغل على مسار متسلسل من اللحظات. واقتضى مني هذا الأمر تخيل قصة تمازج بين الواقعي والعجائبي، وتتكون من فصول كثيرة (30 فصلا)، وتمتد على مدى زمني طويل، وتجري أحداثها في فضاءات متنوعة في عصر شبيه بالعصر الوسيط (الغابة، البيت، الطريق إلى مراكش، الفندق، ساحة جامع الفناء، المكتبة، القصر، المختبر، السجن…)، علاوة على تعدد شخصيات القصة (الفتى زياد، الوالدان، اللصوص، الصديقان، الكتبي هاشم، العالم البحثاوي، ابنة العالم أميمة، القاضي، السجان…). وطبعا فإن القدرة على التخييل هي التي تمكن الكاتب من تحبيك القصة ونسجها في كل عضوي مترابط المكونات، متماسك في ضوء الواقع والمنطق.
ثالثًا، إن كتابة رواية للفتيان تتطلب كفاءة لغوية وسردية لا تتمثل فقط في امتلاك الكاتب للقدرة على التعبير وإلمامه بتقنيات السرد، بل تتمثل أيضا في قدرته على اختيار الأسلوب الملائم للمتلقي اليافع المستهدف، والتقنيات التي يمكنه توظيفها على نحو يراعي المستوى الإدراكي لهذا المتلقي. لهذا سعيت في رواية “الرحلة العجيبة إلى الحمراء” إلى اختيار أسلوب يتجنب التعقيد والغموض والترميز والتكثيف الشعري، وينحو منحى الوضوح والبساطة من غير تفريط في المقومات الجمالية. كما حاولت تسخير عدد من التقنيات السردية لرواية القصة، في مقدمتها الحكي والوصف والحوار والمونولوج والاسترجاع. وتبنيت في الغالب مسلك السرد الخطي الذي تتوالى فيه الأحداث وفق مجراها الطبيعي من البداية إلى النهاية.
رابعًا، إن التشويق يشكل ضرورة قصوى للرواية الموجهة للفتيان. إذ ليس بمقدور الكاتب إثارة فضول القارئ اليافع وشد انتباهه لمتابعة قراءة الرواية، من غير نسج أحداث الرواية بخيوط التشويق. لهذا بثث جرعات من الإثارة والتشويق في “الرحلة العجيبة إلى الحمراء”، بدءا من مُفْتَتَحِها الذي يصور مشهدا يتميز بالحركة والتوتر، حيث يبذل الفتى زياد قصارى جهده لإنقاذ شيخ وقع في مستنقع طيني، ومرورا بفصولها التالية، حيث تقع لزياد أحداث عجيبة، وانتهاء بفصولها الأخيرة، حيث يتم الزج بزياد في السجن، ويصدر في حقه حكم بالإعدام، ويكاد يلقى حتفه لولا تدخل عصفوره السحري.
خامسًا، إن الرواية الموجهة للفتيان مطالبة بالسير المتوازن على حبل طرفه الأول القيم الجمالية وطرفه الثاني القيم الإنسانية والأخلاقية والتربوية. هنا تنتفي مقولة الفن للفن، ويصبح الكاتب مطالبا بتمرير قيم فاضلة وإيجابية من خلال نصه الإبداعي. غير أن هذا التمرير لا يجري بشكل مباشر وتقريري، ولا يتخذ صورة الوعظ والإرشاد، وإنما يتم عن طريق الإيحاء والتصوير الفني للشخصيات والأحداث. وفي رواية “الرحلة العجيبة إلى الحمراء” توسلت بسارد يتبنى زاوية نظر الفتى زياد بضمير الغائب، راويا وقائع الرواية، راسما ملامح شخوصها، وكاشفا للمواقف، من غير تدخل سافر منه بالتعليق أو النصح أو الإرشاد. لكن “الرحلة العجيبة إلى الحمراء” حافلة رغم ذلك بالقيم الإنسانية، من قبيل امتداح قيمة العمل، وقيمة الصداقة، وقيمة القراءة، وقيمة الصدق، في مقابل شجب القيم الفاسدة كالسرقة والخداع والاحتيال.