د. عز الدين بونيت يكتب : اشمئزاز ....

( على هامش الجدل حول سوء فهم وتلقي النداء الملكي للجارة الشرقية بفتح الحدود)

كنت أشفق على بعض المعلقين السياسيين المغاربة وضحالة تحاليلهم وتعاليقهم على الاحداث حين يدعون الى تحليلها او التعليق عليها. لكنني خلال هذين اليومين صرت أكثر إشفاقا على نظرائهم الجزائريين، ولا سيما اولئك الذين يحملون ألقابا وصفات أكاديمية تفتت الحجر. تعاليقهم وأجوبتهم على أسئلة محاوريهم حول ما ورد في خطاب العرش، لا تثير فقط الشفقة بل تثير الاشمئزاز: ضيق أفق خانق في الفهم، والتصاق في غاية الوضاعة والتكلس بحضيض الأطروحة الرسمية الجزائرية، المفتقدة أصلا لأي منطق يمكن الدفاع عنه.

فعوض ان يصطف هؤلاء المحللون في صف الطليعة التي تستشرف المستقبل وتوجه نظر الرأي العام والمسؤولين الى آفاق جديدة في العلاقات بين بلدين جارين محكوم عليهما بتقاسم مخاطر الجوار وتبعاتها والعمل على تطوير التفكير في كيفية تقاسم الفرص التي تنطوي عليها فسحات التعاون، رأيناهم مصرين على ان يبقوا قابعين في اوهام تعود الى عقود، يرددونها بدون ادنى فحص نقدي، عكس ما هو مفروض في الباحث العلمي الذي يحترم نفسه وعقله وعقول من يستمعون اليه.

سمعت "دكاترة" في العلوم السياسية، يتلعثمون في الجمل التي يركبونها، وهم يبحثون عن مبررات لتسويغ الهروب من الاستحقاق البالغ الأهمية الذي تضمنه خطاب العرش، أعني ضرورة الإجابة دون مواربة عن سؤال: لماذا تبقى الحدود مغلقة؟ سمعتهم يقولون بعظمة ألسنتهم (وهم "الدكاترة" و"أساتذة" العلوم السياسية، يا حسرة!!) كلاما غريبا لا يصدق أحد أنه يمكن ان يجري على لسان ذوي هذا التخصص بالذات.

لنستمع الى هذا الحوار:

_ الصحفي: لماذا لم ترد الجزائر حتى الآن على دعوة العاهل المغربي الى فتح الحدود؟

_ "المتخصص" الجزائري في العلوم السياسية: "ما ورد في خطاب الملك المغربي لا قيمة له"

_الصحفي: "لماذا؟؟؟؟ "

_ "المتخصص": ".. لأنه ورد في خطاب مناسباتي !!!!"...

_ الصحفي: كيف ينبغي ان يكون الأمر إذن؟

_ "المتخصص": هناك القنوات الديبلوماسية هي التي تقدم فيها مثل هذه الطلبات... إذا كان الملك المغربي يرغب في فتح الحدود يبعث رسالة الى الرئيس تبون عبر القنوات الديبلوماسية، ويبحثون بعد ذلك في الموضوع..

_ أنا: !!!!! هل يعي هذا المنتحل ما يقول؟ هذه عقلية بعض صغار موظفي المقاطعات عندنا. اما المحللون السياسيون ومسؤولو الدول فمن المفروض ان يكون لهم منطق ومنهج مغايران.

هل حقا المسؤولون الجزائريون يفكرون بهذه الطريقة الفجة، طريقة تقديم الطلبات وانتظار الرد الإداري؟ ثم ما الذي جعل هذا المتخصص الفج يفهم ان ما قام به الملك المغربي - كما يقول - هو تقديم "طلب" الى الرئيس تبون لفتح الحدود؟

لكن مثار الاشمئزاز في هذه الضحالة هو: كيف يسوغ لمتخصص في العلوم السياسية ان يزعم أن خطابا رسميا علنيا لرئيس دولة، بغض النظر عمن يكون، ليست له قيمة في التحليل السياسي؟ هل يوجد استاذ للعلوم السياسية يحترم نفسه وتخصصه يتجرأ على التفوه بمثل هذه الجريمة العلمية؟ دارس للعلوم السياسية الحقيقي لا يمكن ان يهمل اي خطاب لفاعل سياسي حتى لو كان رئيس بلدية صغيرة، فبالأحرى حين يكون خطاب رئيس دولة جارة تعتبرونها في حكم العدو.

هل هذا هو التحليل السياسي كما يفهمه اساتذة السياسة في الجزائر؟ هذا بالنسبة لي استهتار بالسياسة وإهدار للمعرفة السياسية لا أقل ولا أكثر.

وبعد أخذ ورد مع محاوره والضيف المقابل له من المغرب، طرح المتخصص الألمعي شروطا للبدء في اي حوار بين البلدين حول فتح الحدود، واهمها، في نظره، هو اعتذار نظام المخزن المغربي للشعب الجزائري عن الجرائم التي ارتكبها في حقه !!!! هذا يعني في الحقيقة: المصادقة على السردية الرسمية الجزائرية لتاريخ العلاقات بين البلدين، هذه السردية التي يحتل فيها المغرب دور المعتدي والجزائر دور الضحية.. هذا في نظر المحلل الجزائري الحصيف هو البرهان الذي على المغرب ان يقدمه عن حسن نواياه تجاه الجزائر. طيب... وما البرهان الذي ستقدمه الجزائر في المقابل؟ من يضمن لنا نحن حسن نوايا الجزائر؟ في هذه النقطة اكتفى المحلل المخصص بما معناه: عليكم فقط ان تصدقونا لأن الجزائر دائما حسنة النية.. الجزائر حسب صاحبنا ليس لديها ما تبرهن عنه. والواقع انها كذلك. فهي منطقية داخل منطقها برغم غرابة ذلك المنطق.

كان الاجدر بهذا "المتخصص" ان يمتلك القدرة على التحليق بعيدا عن الاطروحة الرسمية المتكلسة لمسؤولي بلده، وان يكون قادرا على تقديم مقاربة ناضجة في مستوى التحدي الذي ورد في الخطاب.

كان الاجدر بالمتخصص الكسول الخنوع وأمثاله ان يلتقطوا البعد الحقوقي لمشكلة إغلاق الحدود، الذي أثاره خطاب الملك، من خلال الإلحاح على الحق في التنقل، والتنديد بالتنكر المستمر لهذا الحق.

كان الأولى بالمتخصص الكسلان ان يمتلك حس المرافعة الحقوقية من اجل طرح هذه المشكلة على الأجندة السياسية في بلده، عوض تبرير الهروب من هذا الاستحقاق.

أتساءل اي منهج في التحليل السياسي والاستراتيجي، واي افق نقدي استشرافي يعلمه أمثال هذا المتخصص لطلبتهم في العلوم السياسية، الذين من المفترض ان يصبحوا أطر الجزائر المقبلين؟ هل حقا يتعلق الامر بأساتذة للعلوم السياسية كما تزعم الصفات التي يقدمهم بها محاوروهم؟ أم انهم مجرد منتحلي صفات لا حظ لهم منها.

وصفت هؤلاء المنتحلين بالكسالى، لأن تبريراتهم هذه هي نفسها حرفيا التي ادلوا بها في 2008 ردا على دعوة مماثلة. لكن الملك في 2021 اجتهد كثيرا في تبئير الموضوع بأبعاده الحقوقية والسياسية والايديولوجية والعاطفية. بينما ظل المتكلسون الجزائريون، في صغارهم وانحطاطهم المعهود.

أستغرب لهم، كيف يستغربون ما يحيق بهم من مشاعر الاحباط والشعور بالاضطهاد المزمن.