د. السعيد أخي : تعلم العلوم اللفظية لدى الشاعر العربي

                 د. السعيد أخي

إن تعلم العلوم اللفظية واجب على الشاعر ليعرف كيف يتصرف داخل المقامات التي يخوض فيها ، وهذه العلوم تختص باللفظ في ذاته، أو في علاقته بالألفاظ الأخرى. أما العلوم المتعلقة بالمعاني ، فهي كل العلوم التي تدرس المعنى في ذاته أوفي علاقته بالمعاني الأخرى ، وبالجملة فالعلوم اللفظية والمعنوية تشمل البلاغة والصرف والنحو .

البواعث : وتعني الدوافع النفسية الباعثة على قول الشعر ، قسمها حازم قسمين:

أ ــ الأطراب : وهي نوازع تعتري الرّحل بالحنين إلى ما فارقوه .

ب ــ الآمال : ويتعلق الأمر بخدام الدول من الشعراء الذين يوظفون شعرهم لخدمة دوّلهم .

من خلال ما تقدم يظهر جليا حضور الجوانب النفسية التي تحرك الشاعر وتدفعه للإبداع ، دون أن ننسى العوامل البيئية المصاحبة ، وفصاحة المحيط الذي ينتمي إليه الشاعر، بالإضافة إلى ذلك يحضر عامل آخر وهو المحفز المادي على الإجادة في نظم القصائد . هذه كلها عوامل باعثة على الإبداع .

أمام هذه البواعث ، فالشاعر لا يمكنه أن يجيد في إبداعه إلا إذا توفرت لديه ثلاث قوى، هي : "أن تكون له قوّة حافظة و قوّة مائزة و قوة ّصانعة ،" وقد شرح حازم هذه القوى ، فكانت القوة الحافظة من قوى الشاعر متعلقة بالخيالات المنتظمة، " فإذا أراد مثلا أن يقول غرضا ما في نسيب أو مديح أو غير ذلك وجد خياله اللائق به قد أهبته له القوة الحافظة بكون صور الأشياء مترتبة فيها على حد ما وقعت عليه في الوجود" وهكذا فالشاعر يعود إلى القوة الحافظة يأخذ منها ما تم تخزينه ، أما الشاعر الذي لا يتوفر على قوة حافظة، فلا يستقيم نظمه، وتكون خيالاته مضطربة . أما القوة المائزة ، فمن خلالها يستطيع الشاعر أن يميز ما يلائم الموضع و النظم والأسلوب والغرض ممّا لا يلائم ذلك . والقوة الصانعة هي التي تتولى العمل والتنسيق فتقوم بالتركيب والتنظيم، وتعمل على" ضم بعض أجزاء الألفاظ والمعاني والتركيبات النظميّة والمذاهب الأسلوبيّة إلى بعض والتدرّج من بعضها إلى بعض ، وبالــجملة التي تــتولّى جميع ما تلتـئم به كليّات هذه الصـناعة ." هكذا يتضح أن الشاعر أمام خيارات للتصرف في المعاني واستحضارها بما يلائم أغراضه الشعرية ، مع مراعاة الأحوال النفسية والوجدانية والظروف البيئية ، وما يمليه الوسط الاجتماعي من قوة الطبع اللغوي والأسلوبي . وفي حديث حازم عن هذه المهيئات والبواعث ، نجد أنها تشكل الطبع عند الشاعر، حيث إن " النظم صناعة آلتها الطبع . والطبع هو استكمال للنّفس في فهم أسرار الكلام ، والبصيرة بالمذاهب والأغراض ." ولعل حديث حازم عن الطبع هو بالضروة استكمال لاستحضار المعاني في ذهن الشاعر ، وهو عنده عشر قوى هي :

1 – القوة على التشبيه فيما لا يجري على السجية ولا يصدر عن القريحة .

2 – القوة علىتصور كليّات الشعر والمقاصد الواقعة فيها والمعاني الواقعة في تلك المقاصد.

3 – القوة على تصور صورة للقصيدة في أحسن صورة على مستوى النظم، ويتم ذلك بوضع المعاني إزاء بعضها ، وفق تدرج ينتج الانسجام بين فصول القصيدة .

4 – القوة على تخيل المعاني واجتلابها من جميع جهاتها.

5 – القوة على ملاحظة الوجوه التي يتم بواسطتها التناسب بين المعاني.

6 – القوة على التهدّي إلى العبارات اللائقة و الحسنة الدلالة على تلك المعاني.

7– القوة على التخيّل في تسيير تلك العبارات متَّزنة وبناء مقدّمتها على نهايتها ونهايتها على مقدّمتها .

8 – القوة على الالتفات من حيز إلى حيز والخروج منه إليه والتوصل به إليه.

9 – القوة على تحسين وصل بعض الفصول ببعض والأبيات بعضها ببعض

10– القوة المائزة لحسن الكلام من قبيحه بالنظر إلى الكلام نفسه وبالنسبة إلى الموضع الموقَع فيه الكلام كذلك.

هذه القوى التي تحدث عنها حازم ، بالإضافة إلى البواعث والأدوات والمهيئات، تمكن الشاعر الذي يفطن إليها من اختيار المعاني وحسن التصرف فيها دون عناء .