افتتاحية كش بريس : 

لا حاجة إلى إعادة التذكير بقناعاتنا السابقة. إننا ننحث في الصخر لأجل أن نستمر، على نفس الخطى والأهداف. وإنه ليس حقيقا بأي أحد أن يتشكك في وفائنا لنفس المبادئ. لقد تربينا على ذلك، وأدينا ثمنا باهضا لأجل ترسيخه ودوام ظله.

وإنه يعز علينا الآن، أن يكون مصير العالقين في الوحل والنميمة وقلة الحياء، أن ينحرفوا عن فهم هذه المقاصد، وأن يسحلوا أرواحهم بعيدا عن سلوكياتنا ومراميها الرسالية القيمية، المخلصة للمجتمع والمناصرة لقضاياه العادلة.

لكن لا بأس أن نذكر من لا يتعلم ولا يعتبر. 

إن العمل في الإعلام والصحافة ليست من أولوياتنا المسلكية، بالقدر الذي نعتبر القيمة المضافة التي ترمز إليه وتعلو فوقه، قطعة من الأخلاق التي لا تحجب عنا فكرة الانخراط في خدمة المواطنين، وإعلاء كلمته. فالأخلاق التي هي وحدة إنسانية لا تتجزأ ولا تنقسم، تجيد الوعي بالأعمال المقدورة، بالممارسة الخيرية والتدافع التنافسي العاقل، والاحتضان المنشغل بالهموم والهواجس.

وإن تحصين كل هذه الشواهد، والترافع عنها، وبثها في الأنفس والهمم لأعظم نفاذا وكينونة من النفوذ السلطوي أو المادي. ولعمري إنها لتقصر الأعمار وتركن إلى الذبول والترهل، بل ترقى للغياب والزوال الأبدي، مادام الوعي بتلكم الشواهد والآثار غافية وتالفة عن أداء مهمتها ووظيفتها الرسالية.

وكيف بنا ونحن ندرك تمام الإدراك أن الكتابة ليست ترفا زائلا أو غنيمة مبطنة، نتداعى بين الزيف والتدليس، والغصب والتلبيس، وهدم المحتوى وضياعه، نعمد إلى إسقاط الحق في تكريس الحياد الواجب، ونوغر أدوات التجريم بغير حق مشروع.

لقد فكرنا كثيرا قبل الخوض في تجربة "كش بريس"، فكرنا ودبرنا حولا كاملا، قبل أن يجنح عقلنا للقبض على الجمر، والتحوط به، والانقطاع دونه. فنحن كنا نعلم أن رهطا يعادينا سيكحل بالعمى، ويلجم بالنيران، ويصعد بالعداوة والطغيان، قبل أن يخرق حجب الأخلاقيات التي تجمعنا جميعا، ولكنها لا تجيد التصنيف والميز العنصري الأعمى، لأنها حقيقة أخلاقية كونية، وهبة إشراقية متناغمة مع وجودية منصفة وعادلة.

إن بداية الطريق ليست سوى لبنة، منعقدة على إدارة تجتبي من حضن الحكامة ونبل التدبير، ما نستشعر الارتقاء به ليصير مدخلا للتصحيح الذي لطالما دعونا إليه، أن يكون الجسم الصحفي مدارا إصلاحيا للمجتمع، وعلامة فارقة في نهضته الفكرية والثقافية والعلمية، وجسرا تنويرا عابرا لقارات الأخلاق والعلم والفضائل.

أما ما عدا ذلك، فنحن براء منه، ونولي وجوهنا منقلبين خلافه، ولا نوليه أي قيمة. 

إن القيم التي يدعو إليها مشروعنا، هو نفسه الذي حملناه على أكتافنا، وقدرناه تقديرا، في السجون والعتمات وتحت قهر الظلام. وإنه ليعز علينا ونحن في آخر العمر، إن بقي منه شيء، أن نتجادل ونتقاتل ونتعادى عن فوازير المسخ وتناجيم السماء.

إننا لا نغفل، ولن نغفل أبدا عن حقنا وحق كل أصدقائنا في أن يكون الرأي والرأي الآخر عنوانا رئيسا في نهجنا. وإن الرسالة التي نحملها، مثقلين ومنظرين، هي وعاء لكل مواطن يجد في نفسه القدرة على التعبير، والإصرار على التغيير، والجرأة على الطرح.

ليس هناك من مواطن، علا شأنه الاجتماعي أو تواضع سنحيده عن هذا الحق، أو نمنعه منه. فليس قمينا بنا أن نكون بشرا ونظلم ونحن قائمون على الصراط، لا نعلم هل أخطأنا أم جاوزنا المدى؟!

روى النَّبيّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- عن الله تعالى أنَّه خصمٌ يوم القيامة لثلاثة أصنافٍ من النَّاس ظلموا غيرهم، وتمثَّل ظلمهم في إعطاء العهد بالله تعالى ثمَّ عدم الوفاء به، ومن يأكل حقَّ الغير؛ كالرجل الذي يبيع حُرَّاً وهو يعلم أنَّه حرٌّ فيسلبه حقَّه في العيش الحرِّ والتَّصرف في شؤونه وأموره بحريَّةٍ، وكالرجل الذي يستأجر أجيراً في عملٍ ولا يعطي هذا الأجير حقَّه بعد أن أدّى العمل المستأجر لأَجلِه، كما في الحديث القدسيّ عن النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- قال: (قال اللهُ: ثلاثةٌ أنا خصمهم يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثم غدرَ، ورجلٌ باع حرًّا فأكل ثمنَه، ورجلٌ استأجرَ أجيرًا فاستوفى منهُ ولم يُعْطِه أجرَه).