افتتاحية كش بريس : عود على بدء .. مشروع قانون تكميم الأفواه بالضربة القاضية!؟

فكرة الدومينو حاضرة دائما بقوة الخيال الخلاق.  كون العالم المتغير يتصل بالحركة المتسارعة، وبالتصاعد المتنامي لوثيرة الصراع بين الكائن واللاكائن.

إنها حقيقة التوثر والحلحلة المضطربة، التي تنفعل مع الحالة الحزبية المغرببة، المتفردة والمنفردة ، في واقع التجهيل والعبث الذي تستنزفه الحياة السياسية، الكامنة خلف ركام كبير من الزمن العابر لقارة الأخلاق وقيم العيش المشترك، والوجاهة الديمقراطية، والحوار المجتمعي المواطن.

في كل مرة تتوطن معالم الجريرة الحزبية بالمغرب، وتستنفد جهدها للتجرد من تاريخية السيرورة، ونضاليتها المتصلة بسنن الكون وحكمة الخلق وفرادة الفكر الانساني.

والقارئ المتدبر لهذه العلائق المتصلة والشوارد المتلاحقة، يدرك حجم الخسارات التي تراكمت على مصعدية تاريخ الأمة، ومطامحها للانعتاق والتجهز إلى ما هو أضمن لبقائها الحضاري والمعماري، وصمودها الراكز في عقل الكون ووجدانه السامي.

ولعله من نافل القول أن التراخي المخيف، والاضمار المتلاحق للفعل السياسي، ونفاذ ميزان الرؤية السياسية، بعد إنفاذ الحجر على التاريخ الحديث، القريب من الأنموذج النضالي الحضاري المغربي، في أبهى صوره واجلى ذرره، يحيل بداهة إلى سرعة انكماش صدقية النضال السياسي إياه، وانحصاره اليوطوبي، وترمبزه الساخر، على نحو يجعل من قاعدة البيان السياسي المعاصر، سرابا عابرا ورواية مهادنة للذاكرة والاستعادة المريرة للخلفيات التاريخية والاحالات الجاهزة للتعصب والقراءات المطلقة، والاستغرابية المدنسة لنمط التدجين السياسي والثقاقي.

وهو على كل ما نظرناه، يحيل على موت الفكر السياسي المغربي، بل موت قيمه، وانبلاج نظرية بديلة عنه، تأكل من عنقه، وتتغذى من حيواناته اللقيطة، وهي لا تصل حتى إلى خنصر إصبعه.

وللقليل من مناظرة هذه الحقيقة، يمكن تحليل تاريخية التراكم الهزائمي، وتصادم عناصر سيرورتها، في مضمار التغالب وسرعة الفشل، وتناغم كل ذلك مع الشكل الجديد الذي أضحى العقل السياسي المغربي، صورة من مرائيه، وفارقا من تناقضاته، ووازعا من أساسات بنيانه!؟

من كان يؤمن بانقلاب السحر على الساخر؟ 

ومن كان يدرك انصرام الجلائل من أعمال ومستنتجات القوة الضاغطة، معارضة عن جدارة واستحقاق وتماهي في التضحيات الجسام؟!

من عاش انتصارات وأحلام الأمس يدرك تماما كيف ينتكس العقل الباطن، ويتخفى وراء استيهامات الممكن والمستحبل، ويتردد في تعليل قيمه الجديدة، وقوانين النظام السياسي الجديد، وشروط وجوده المبتدعة، وتراكماته الثقافية المتحللة من كل التزامات الماضي، وانتظاراته المحجوبة عن الوعي والضمير والفعل الحر؟ !!

إنه ليس عجيبا أن تصل الحالة الأخلاقية السياسية إلى ما دون الدرك من الهدر السياسي والاخلاقي، والعبث المجانب للصواب!  

وليس من العقل في شيء، أن نرمم قهريتنا السياسية وائتمانيتنا الاخلاقبة، على مفرق الآلة الزمنية المناهضة للحجر الرمزي، الذي نعيشه واقعا غير معزول عن نظامية أخلاقية وقيمية متغيرة.

فالواقع السياسي لايرتبط بصبيب التعالي بين الوثوقية والشك، وبين التراكم التاريخي للأحداث والمخلفات الغائرة، والتحول الزمني للمحتوى الفكري السياسي والثقافي، بل ان ذلك الواقع النفسي المغيب بفعل النسيان واليأس وتحور الإنتظار، هو الواجهة الحقيقية للصراع الذي يخفي الغابة المتوحشة. أو هو الغابة نفسها، مع فارق الجمال الروحي للطببعة، وقبحها في التغول واستعمار قطيع الوحوش.

الا بحجب عنا هذا الحق، الكفر النهائي بالعبث السياسي، وبمناصريه في زمن الوبائية الجائحية؟

ألا يناشد فينا هذا العهر الزنيم ارتقاءنا وفجائعيتنا المستديمة، للانغكاك من أوهام الإصلاح السياسي والمشاركة السياسية والأخلاق السياسية والإصرار في التقعيد السياسي والتنظير له؟

إننا لن نبرأ قطعا بالأكاذيب التي تشهد لها، وتحت قببها المؤسسات المنتخبة، وتستثمر جانبا من واقعها المشؤوم، وهي تحصي يوما بعد يوم خسائرها الأخلاقية والسياسية، بالقدر الذي نأمل فيه أن نستدرك ذلك الوجود المفقود من تاريخ بلادتنا وجهالتنا تجاه كيانات لقيطة ومنعدمة الضمير، لم تكن سوى كوابيس لتغسيل الامخاخ وتسطيلها وإمراغها في العمه والسقط والتشاؤمية والضعف والتشرذم والتحقير والإذلال والتكور الجهلاني والتعتيمي.

إن كل المشاريع البليدة التي تم تغميسها في مياه الراكد، ومثيلاتها مما خفي وأعظم، لم تكن سوى صورة مصغرة عما يمكن أن يحدث اليوم أو غدا ..

مشروع قانون 22.20 الشهير بمشروع قانون (تكميم الافواه )، ليس سوى حالة منظورة مما سهل التقاطه وفضحه، قبل تمربره باسم نواب الشعب، بل وفرضه بقوة الخيال المغناطيسي للآلة الجهنمية التي سوغت له الحياة على دماء الضعفاء والمنبوذين من العامة.

فلا تبتئسوا من غرابات الزمن السياسي المدنس، الذي يحصرنا في الزوايا المظلمة، كي يجهز على ما تبقى من أحلامنا .. فكل ما ينعتق من جزء كينونة وعينا بالمصير، يحصده الدهليز الأسود، الغاصب باسم الاستحواذ العاض، والقاصم الدهري المبتوت في كل ستائر وسرائر الغرف المعتمة، الحاشد المحتشد لسياسة الكذب والتمويه والاستحمار!؟