افتتاحية كش بريس : مكتبات متنقلة وكتب مستعملة .. تاريخ من الحرق وتعنيف رواج الثقافة

خبر كالذي تناقلته المواقع وتداولته منصات التواصل الاجتماعي٬ حول مأساة احتراق محلات بيع الكتب المستعملة بباب دكالة٬ لا يفي (قيميا) بالغرض جملة وتفصيلا. فعمليات الحرق بدأت تسعينيات القرن الماضي٬ بلغات التعنيف الرمزي٬ والتهديد بالاقفال وسحب الرخص البلدية. وأحيانا كثيرة ابتدعت ماكينة السلطة المحلية أساليب جديدة لاحتقار المكتبات التقليدية٬ التي كانت ولا تزال جزءا من النسيج الثقافي والحضاري للمدينة الحمراء.

عملية الحرق الجديدة ليست مفاجئة٬ وهي صورة مصغرة لمجموع آليات التقتيل المبرمجة للكتاب والمكتبات المتنقلة لبيع الكتب المستعملة بمراكش٬ طيلة ثلاثة عقود ونيف.

إذا عرفت الأسباب بطلت كفايات التعجب واستنزاف العقل. فمسؤولو المدينة سرعان ما يعودون لتقطيع المواجع الساكنة بالباراشوت٬ ذلك القفز المأسور بفعل الإغواء والتدافع خارج سياقات التاريخ والبشر والحجر.

وللذين يشككون في مآلات هذا الجحود المروع لبلاد العلم والعلماء ٬ أن يطلعوا على كرونولوجيا التشتيت المبرمج لمنصات الثقافة٬ بدءا بالساحة الشهيرة جامع الفنا٬ مرورا بموقع الكتبية٬ وانتهاء بباب دكالة. 

تاريخ مرير من الصراع والمواجهة مع صناع الحدث الكتابي بمراكش وأعياد عروضه القليلة جدا. 

هل هذا مجرد تأويل مخدوم٬ عديم الانتباه؟٬ أم أن القصة تعوزها سيرة سوداء تكتب ما نقض عهد الكتاب ومزق عروته٬ وأمضى السنون المديدة العديدة في ترويع أحلام المكتبيين وصناع الفرادة، الباحثون عن نجوم النوابغ بسوق الدلالة عند جامع ابن يوسف بالمدينة العتيقة!.

لا .. إنها حقيقة مظلمة وغارقة في البؤس والألم.

والأكثر إيلاما أن يحشر المكتبيون بتلك الطريقة الموجعة والمهينة٬ حيث لم يكن بوسع الواحد منهم أن يبحث حتى عن عنوان ضائع بين الركام من الكتب التالفة هنا أوهناك٬ لضيق مسافة الكشك وصعوبة الوقوف أو الجلوس بين مترين منحشرين في عتبة الباب القصديري الهش.

عندما قرر الوالي الأسبق حصاد بناء سبعة أبراج على رؤوسها شجرات الزيتون العطشى٬ خلف السوق الشعبي القديم بباب دكالة٬ قلت في نفسي٬ هل يصعب على أصحاب الوقت أن يجدوا منطقا أقرب إلى هذه الهلاميات ليعوضوا أصحاب الأكشاك التائهة، عن ضياع أعمارهم في التنقل من بلاء لبلاء ٬دون أن يجدوا مستقرا لهم.

كنت آنذاك أبحث عن معنى جديد هارب لهذه الأرض، التي تعذر على أبنائها، في زحمة الزمن واستبداد الإنسان، أن يجدوا مآو حلمية جديرة بالتحقق٬ عوض الخراب المستطير الذي يحيق بهم في كل لحظة وحين ؟!.

الحقيقة أن الإجابة عن تاريخ طويل من الحرق والخرق ضدا عن ثقافة الكتاب وكتابه٬ لا يجسد سوى تلك اللحظات الثقيلة المنفلتة من التغييب والجحود والاستهتار بمآلات القيم والعيش المشترك. وهي إجابات نستنتج/نحصد تراكماتها الواقعية المزلزلة اليوم٬ بعد أن قطعنا شوطا كبيرا من اليوطوبيا والانتظارية الفارغة.