افتتاحية "كش بريس" : الموجة الثانية من وباء كورونا تدق الأبواب والحكمة تؤخذ من تجارب المنتصرين !

الموجة الثانية لتفشي فايروس كورونا المستجد على الأبواب، إن لم يكن قد كسرها، ودخل عنوة. 

الارقام المخيفة التي يعلن عنها يوميا، تؤشر على ارتفاع منسوب المرض، وانتشاره بشكل يدعو للقلق!

يكفي قراءة عناوين المركز الوطني لعمليات طوارئ الصحة العامة بوزارة الصحة، لتدرك فداحة الوضعية الوبائية التي تمر منها البلاد، وأن منزلقات الوقوع في المحظور، صارت حقيقة مرة وطامة، نذير شؤم وتشاؤم. 

لقد اقرت وزارة الصحة أمس، من خلال الندوة الصحفية التي نظمتها، أن عدد الحالات النشيطة التي لا تزال تخضع للاستشفاء بلغ 6827 حالة على الصعيد الوطني، أي بمعدل 19 شخصا لكل 100 ألف نسمة، وهو أعلى معدل بالمغرب منذ بداية الوباء، منها 79 حالة صعبة أو حرجة. عدا استمرار نزيف الوفيات، بارتفاع عددي مطرد، وصل أمس إلى أعلى ضرباته القاتلة، حيث سجلت وفاة 19 حالة بالمرض، وهو عدد سابقة منذ الإعلان عن بداية تفشي الفيروس.

هل يعني ذلك، أننا سنعيد يوميات التربية على نظام الطوارئ الصحية من جديد؟ وأن عنوان المرحلة القادمة، سيكون لا محالة مرتبطا بنجاعة الإجراءات والتدابير الاحترازية الأكثر تشددا، مع ما يعني ذلك من إغلاق للمدن والمناطق النائية، وتدبير المرحلة بأكبر قدر من الصرامة والقوة في تطبيق الطوارئ،  وانفاذ الشروط القاسية دخولا وخروجا؟!

هناك قناعة أكيدة تمضي إلى نفس ما أدركه ممثلو الامة الإيطالية، قبل أيام من تخمر فكرة إعادة التربية، بالعودة الإجبارية للطوارئ الصحية من جديد.

فقد ناقش مجلس الشيوخ، وهو المجلس الأعلى بالبرلمان الإيطالي،  قبل أيام، طلب التمديد الذي تقدمت به الحكومة. وتبعه مجلس النواب بتصويت 286 نائبا مقابل 221 نائبا لصالح التمديد.

وكان من المقرر أن تنتهي حالة الطوارئ الراهنة في إيطاليا يوم الجمعة الماضي، إذا لم توافق أغلبية المشرعين على طلب رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي. واستخدم كونتي سلطات الطوارئ لاتخاذ قرارات مهمة، بما في ذلك فرض إجراءات الإغلاق، دون الحاجة إلى البرلمان.

ورغم رفض قادة المعارضة مثل ماتيو سالفيني زعيم حزب الرابطة، وخبراء قانونيين، الذين كانوا ضد التمديد، واصفين إياه بأنه انتهاك للحريات المدنية. فإن الحكومة ماضية بتباث إلى اقرار الخطة وتنزيلها من اجل إنقاذ البلاد من استمرار الموجة الفيروسية القاتلة.

وواجهت إيطاليا أزمة حادة من تفشي فيروس كورونا في مارس وأبريل، إلا أنها هدأت في الأسابيع الأخيرة، على الرغم من وجود مخاوف بشأن موجة ثانية محتملة.

تجربة الطاليان قصة مريرة، تابعناها جميعا، وكانت حقا رمزا للمشاعر الانسانية، وسلوكا حضاريا عميقا، يتبث مدى قدرة العقل العلمي على تجاوز الكوارث الإنسانية والآلام الكبرى. 

ورأينا في بداية انتشار الوباء في هذه الدولة الغربية الجسور، كيف نستقي الحكمة، ونحاكي التجارب الملهمة، لنتجاوز الصعاب.

لقد أعادت قصة الطاليان عقارب الساعة إلى الوراء، لترينا كيف نعي سياقات تاريخ الكارثة، وكيف نتوخى الحذر من سيرانها وسيرورتها، وكيف نقف جميعا يدا واحدة في مواجهتها، وايضا، وهذا هو الأساسي والمهم، كيف نسمو ونرتقي، بسلوكياتنا، هويتنا الثقافية، وحضورنا الانساني، وثقتنا بالمصير المشترك، في وجه الجشع والخوف من المستقبل والنهايات المحتومة. 

كيف نربي أجيالنا على قيم الخير والتكافل والتضامن والإيثار. 

كيف ننفذ إلى أرواح المعطوبين، ونصقل معادن المشككين، ونبصر أوجاع الضعفاء منا.

إن القادم المجهول، مهما كان غامضا، أليما، غائبا أو منصوبا على الفداحة والغرابة، فإنه بالإيمان المأمول فكرا وعقلانية، بحثا في الحياة والابداع والصمود وعفة الضمير، هو سفينة الفلاح ونجدة المقام ومناط الرواء. 

وإنه مهما كانت التضحيات، فإنه لا محيد عن العلم والمعرفة، فهما معا من ينقدنا من موجات الأوبئة والجهل والخنوع وذلة السلطة. 

إن ألف طارئ وطارئ لن يغنينا عن الرجوع إلى رشد هويتنا، معدنها الصافي، ونبعها المسجى بفعل الحضارة والمعارف والعلوم.  وغير ذلك، سنضل نلغو ونثغو كخرفان الزرائب وغيلان اللقائط، نمارس حقوق الوجود بالبطن والغريزة، وننام تحت سياط التعب وجهد الجسد .