افتتاحية (كش بريس)  : التطور الآلي للإعلام يؤثر بشكل خطير في صلب قيمه وسيرورة رسالته

1 -

لا تكاد تجد من ينظر للقيمة الاعتبارية للخبر الإعلامي، كقيمة نواة للغة الخطاب، كسلوك اجتماعي وبشري.  

لقد افتقدنا الاندماج الثقافي، إزاء الجغرافيا الشاسعة التي أضحت تعج بها وسائل الإعلام الرقمي الحديث .

وبنفس الخطر، يمكن أن نقع جميعا، في الحيز الضيق لذلك الشيء الذي يختبؤ في الشقوق المتحركة، والمغارات النصية التي تقصر عن فهم الكتابة الصحفية، من بابها المعلوم، ومن عودتها المجهدة من حرب ضروس، كتحقيق عملية السبق،  جعلها أسلوبا هزيلا، بالامتلاء والاشباع الفارغ، والتلذذ بالعنف والدم والغرابة!؟

هنا، في زمن الجائحة، ربط كبير جارف، بين المعرفة الخبرية، والتقيد الجاف الجارف بتأثيرات الخبر على الجمهور.

لا قيمة للمعرفة في الحالة المقروءة، التي تكرس الاستهلاك وسياسة القطيع. مع أن المعرفة، في جوهرها الفلسفي، إدراك ووعي وفهم للحقائق عن طريق العقل المجرد، أو باكتساب المعلومات.

لتكون اليوم، منسجما بتمثلات هذه التجربة، يجب أن تؤمن بلا وعي النص، دون تفسير لنتائج تلك التجربة أو تفسير الخبر .

2 -

الحاجة الماسة اليوم لوجود أرضية مناسبة لممارسة الاعلام،.

وهو ما يفتح السؤال واسعا، لإعادة تأهيل الإعلام المهني، لدى الصحفيين الممارسين.

ومن هذا المنطلق، يمكن تعزيز أولويات الممارسة الإعلامية،  عبر تطبيق آليات لتعزيز الإعلام الحر والمستقل, إعلام مجتمعي بديل عن طاقة المكننة الخبرية، وحرق القيم الموازية. 

ومن ضمن أهم تلك الآليات المرجعية، تقديم نظرية إعلامية متوازنة، تستنبط قراءة الأحداث والوقائع بالتركيز على القضايا المجتمعية القريبة من انشغالات الناس وأحوالهم وحاجياتهم المستهدفة، بشكل دقيق، ولغة بسيطة وبليغة، وروح شفيفة وتواصل يمكن من استيعاب الطفرة في وقت قصير.

بنهج تحليلي أكثر موضوعية وحيادية، بصياغة مبادئ أو معايير سلوك أخلاقي أقرب إلى العقل، كل ذلك من أجل تطوير المادة الإعلامية (طبيعتها وطريقة عرضها و نتائج تحليلها)، بالإضافة إلى مطارحة الجوانب النقدية في المواد الإعلامية،  تراهن على سمة العدالة والاتزان وقوة الدليل  في القضايا والاشكاليات محل الخلاف والنقاش والتجادل.

نعم، إن الجيل الجديد من دعاة الإعلام ، بحاجة ماسة إلى أدوات علمية معرفية أكثر راهنية وتدافعا، إلى خبرة ميدانية جيدة ، في التعامل مع المعلومات، فلترتها وتقييمها، واختيار الطريقة المثلى لعرضها، بما يلبي احتياجات الجمهور. باعتبار أن إنتاج المحتوى يعتمد على برامج وتطبيقات متطورة، وغرف أخبار مدمجة، وتقييمات نظرية دقيقة ومندمجةمع بوح العصر.

كل ذلك، من أجل التأكيد على الأدوار الطلائعية الخطيرة التي أضحى يحققها الإعلام المتوازن، بكل آلياته، في ظل الاستحواذ القاهر لوسائط الإعلام الجديد، وتسارع وتيرة إعداد المحتوى الاعلامي المراهن على قابليات الجمهور ومتطلباته.  إنا فيها تلك المحتويات الإعلامية المبتوتة على المواقع الالكترونية والمدونات الصحفية التخصصية، بالإضافة الى الأجهزة الذكية المتحركة، وهو ما يؤكد تغيير الشكل المؤسساتي لوسائل الإعلام، ودفعها إلى تبني أشكال جديدة بآليات أكثر ملامسة للمتغيرات الجديدة والمتصلة بالتكنولوجيا الناهضة، التي تقدم المادة الإعلامية كصناعة خبرية منسجمة مع العصر الانترنيتي السريع والمؤتر.

إن خوفنا المشروع، إزاء تحول شاشة الموبايل، إلى بوليصة بديل عن شاشات التلفزيون والفضائيات والصحافة، بعد ان تغولت تقنيات الجيل الرابع والخامس في المحمولات الاتصالية، وهو ما مكن بالفعل من التحول الاستراتيجي الذي حول الوسائل والآليات الإخبارية إلى مجرد أنماط حداثية رافعا ومندمجا، عوض الأشكال الأخرى.

إن التحولات الكبرى في مضمار صناعة مهنة المتاعب، يمكن أن تؤثر عميقا في المحتوى المدمج من الأخبار والترفيه، حيث يصبح الجمهور مجرد كائن استهلاكي، متمرد على الطبيعة المركزية للمعرفة، وبالتالي ينقلب الى ناشط مصنع للمحتوى، بوجهين ونمطين يجسدان نفس القيمة. بيد أن السلوك القويم للغة الاعلام أضحى جسدا بلا روح وأرضا بلا تربة، وسرابا يحجب الرؤية عن فعلها البصيري.