د. مصــطفى غَــلْمَـان* 

كيف نواجه الفساد ونبحث عن نموذج تنموي ؟!

من الاوجاع العصية على فهم العقل البشري ونقب النظر ما تستعيره المغالطات المفاهيمية لمعاني الفساد والإفساد. تلك النجس الثاوية وراء مخاتلة لغة الإدارة ومكرها، وحساسيات تخلف الآليات السياسية للتدبير العمومي، لا يشرطها سوى التكدير والغموض الذائب بين نظام ديمقراطي منسدل على مقاس فعل الكذب وغياب الثقافة وتقصد احتيال المشرع السياسي على قائمة القيم المستلبة بقوة السلطة وسحرها على التابعين.

إذا كانت مآلات الحرية هي التغليط وحجب الحقيقة، فالفساد القائم عليها يوازي فهمها المقيد بآثار التدمير والخسارة. ولهذا سيظل وسيبقى مفهوم الفساد مرتبطا بالنظريات الأخلاقية، كما هو الحال بالنسبة لعلاقة ذلك بالقانون والتنظيم الإداري. ولنقل دون مواربة إن الفساد هو استغلال سلطة مفترضة موكلة لتحقيق مكاسب خاصة غير مشروعة.

ولاعتبارات منهجية وسوسيواجتماعية ومعرفية يتم تغييب الاعلام كواجهة أساسية لمراقبة وردع المفسدين، مع العلم ان منظمات حقوقية ومراكز بحثية تهتم بهذا الجانب وتخصص له حيزا هاما واستراتيجيا في أجندات عملها وبرامجها التفاعلية، كمنظمة الشفافية الدولية المبادرة إلى فك شفرة التواصل بين فعاليات التوجيه الإعلامي ومنافذه كأدوات معرفية واتصالية ثرة، تساهم في تغيير السلوك الفاسد، بعلاقة مع الأهداف المتوخاة لمقاربة تقارير الفساد الجاذبة لانتباه الناس المتلقين والتحفيز على معرفة أخطاره مع محاربته. 

قبل عقدين من الزمن على إطلاق المغرب مشروع محاربة الفساد وتخليق الحياة العامة وفق مقاربة تدريجية، زجرية وتخليقبة او شمولية مندمجة مع إعلان الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الرشوة، ظلت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، مشروعا مؤسساتيا وشعبيا مفارقا لكل أشكال الاندماج المؤسساتي والدستوري، حيث تعلو قطائع الفلسفة القائمة على أولوية إسقاط الفساد ومحاربة كل أشكاله ومظاهر اقتصاد الريع والمحسوبية وتكريس استقلال مؤسسات الرقابة وتفعيل توصياتها وتخليق الحياة العامة ونشر قيم النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، تعلو على كل مستتبعات الإصلاح الديمقراطي وتغيير قائمة الأولويات في مخططات التنمية، تلك التنمية الضائعة بين الجهل وتكريس الواقع المتردي للإدارة وقيمها النظامية البشعة .

المفروض في المشاريع التنموية أن تكون ركيزة نهوضها واستمرارها نابعة من سيرورة تنزيلها وتحويلها إلى أوراش فاعلة مبنية على الانسجام والروح الإصلاحية المتينة، وإلا ما الفائدة من وجودها أصلا، وتأطيرها بمراسيم وقرارات وميزانيات؟!

الفرق بين التدبير المحكم للمؤسسات المهيكلة والتخسيس الإيديولوجي لتلكم المؤسسات هو الإفراغ المغيض للأدوار التي أقيمت على أنقاض ما سبق من النقاش والجدالات حول الأهداف والاستراتيجيات التي يمكن أن تقوم بها. وبالتي لا مراء في إعادة النظر، والتأسيس لثقافة الجاهزية وتصحيح قابليتنا للتخطيط والمراقبة والتوجيه، عوض الفوضى وتشتت الأهداف. وكأن إدارتنا لا تزال متخبطة في أولويات برمجة الأهداف والاستراتيجيات، حيث النواقص تأكل جزءا من قيم وضع الميزانيات وخطط الترويج والتسويق وتخطيط المصروفات، دون الحديث عن خطوات المراجعة والتدقيق والتمحيص والتغيير، تجاوبا مع المتغيرات الداخلية والخارجية، ومواءمة للتطلعات الوطنية المحفزة على النهوض بالكفاءات المحلية، التي نعاني ترسيخها وتكريسها في العقلية المغربية.

إن المطلع على تقارير المجلس الأعلى للحسابات الذي يمثل الجهاز الرقابي ذا الطبيعة شبه القضائية على مستوى صرف المال العام، والمفروض أن تفعل أدواره وتوسيع اختصاصاته وتمكين قضاته من القيام بمهامهم القضائي، على اعتبار أن حجم الأموال العامة التي يتم نهبها أو تبذيرها سنويا في كافة القطاعات والمؤسسات، تتطلب وجود مؤسسات قوية حتى تتمكن من وقف هذا النزيف الذي يؤثر بشكل مباشر وخطير على التنمية الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا، ليصاب بكآبة مركبة ويأس عميق، حيث الاختلالات وسوء تدبير الميزانيات تصل غالبا إلى أقصى درجات الاستهتار وعدم المسؤولية، مع ما يرافق ذلك من ممارسات خارج نطاق القانون، وانحراف عن المنهجية التي يجب تفعيلها ماليا وإداريا ووظيفيا.

ويعزي خبراء هذه التقارير الحساباتية والتقويمية إلى تجذر بنية الفساد الإداري والتدبيري وفشل كل النماذج التنموية التي غامرت الدولة طيلة عقدين من الزمن في الترويج لها والتمجيد لمبدعيها باعتبارها ملهما حضاريا واقتصاديا استثنائيا!؟ مع أن منطق الرؤية الاستراتيجية لكل المشاريع تفرض وضع مقاربات سوسيواقتصادية ناجعة وسليمة تدمج بين مؤشرات اجتماعية واقتصادية في مؤشر تركيبي يصل مؤشر التنمية البشرية.

على أن الحالة ستبقى على ما هو عليه، في ظل تراجع المغرب إلى مرتبة متأخرة جدا في سلم التنمية البشرية عالميا. 

وسيزاد الوضع قتامة، لاسيما إذا ما استحضرنا أرقاما تمس الأمن المعيشي والاجتماعي والنفسي للمغاربة، التي تصدره تباعا منظمات حكومية وغير حكومية. والأهم من كل هذه الأرقام والمعطيات الصادمة انفراط عقد الثقة في السياسة ببلدنا، وما تنتجه من مؤسسات منتخبة غير ذات مصداقية، الشيء الذي سيفتك لا محالة بالرصيد الحضاري والثقافي لبنية التواصل والمشاركة السياسية والفعل المواطناتي. وهذا سيحدد لا محالة مدى تعبئتنا لمستوى التعاطي مع قضايانا المصيرية الكبرى، التي تقيد مستقبل بلادنا وتنميتها من كل الاتجاهات، كالبحث عن النموذج التنموي من عين إبرة الفرنكوفونية، والتخبط في تنزيل ما أطلقنا عليه "الجهوية المتقدمة" منذ عقدين كاملين دون نتيجة تذكر، خصوصا بعد أن استوفينا كل عوائق الإدماج السلس لدمقرطة اتجاه الدولة ديبلوماسيا وسياسيا لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، والذي لا يزال يحتاج لمزيد من النقاش والحوار داخليا. وتأخر تنزيل مشاريع تنمية الجهات المحسوبة سابقا " حسب مفهوم الاستعمار" على المغرب غير النافع، بما فيها المناطق المعزولة والنائية عن المجالات الجغرافية الحضرية ..إلخ.