افتتاحية (كش بريس) : حكمة تاريخية

ـ (التاريخ الذي درسناه في المدارس، جعلنا نحفظ الملوك وفتوحاتهم، دون أن نسأل عن مشاعر الشعوب المكبوتة بعد الفتح) ـ علي الوردي ـ

القواسم المشتركة بين زمن الاستقلال وما بعده، ترتفع كلما تطورت أساليب تدويرنا للتاريخ، أو إعادة قراءته، على الأقل من منطلق معرفتنا بأهم تفاصيل منظومة الكولونيالية وشرائعها المقيتة.

في الثلاثين من شهر مارس 2011, والذي يصادف هذا العام مرور قرابة قرن ونيف على احتلال فرنسا لبلادنا، لا بد وأن تتحرك مشاعرنا الوطنية إزاء هذا الطوق المنغرز في صيرورة وجودنا، حيث يتوجب علينا محاولة وضع شريط لواحدة من أخطر ما تعرضت له الأمم المستضعفة على مر التاريخ البشري، من استغلال وعبودية وإبادة وتقتيل وتجريف للهوية الثقافية الوطنية واللغوية... الخ

لا حاجة للتذكير هنا بتفاصيل الأحداث التاريخية الجسام، التي سجلت أطوارها مشاهد درامية حزينة جدا، لكننا وفي فورة إعادة تشكيل مشاهد هذه الفجائع الغاصبة، يمكننا الوقوف بشكل خاص حول أهم محطاتها :

1906 ـ انعقاد مؤتمر الجزيرة الخضراء لتقرير مصير المغرب كمستعمرة أوروبية. بمشاركة اثنا عشر دولة أوروبية وشارك الرئيس الأمريكي روزفلت كوسيط فيه.

1908 ـ تمت مبايعة مولاي عبد الحفيظ سلطانا جديدا على المغرب خلفا لمولاي عبد العزيز .

1911 ـ اتفق الفرنسيون مع الألمان بشأن المغرب، حيث تنازلت فرنسا بموجب هذا الاتفاق عن الأراضي المتفق عليها في الكونغو والكاميرون، في مقابل موافقة الألمان على فرض "الحماية" الفرنسية على المغرب .

1912 ـ انتفاضة شعبية كبيرة بفاس، أوقد شرارتها جنود مغاربة ثاروا في وجه ضباطهم الفرنسيين، قبل أن تلتحق بهم ساكنة المدينة في ثورة أطلق عليها المستعمر الفرنسي اسم "أيام فاس الدامية".

12 غشت 1912 ـ تنازل السلطان المولى عبد الحفيظ عن العرش

نونبر 1912 ـ فرنسا وإسبانيا تتفقان على اقتسام المستعمرة (المغرب) بينهما

ما بين 1912 و 1934 ـ فرنسا تحتل كامل المغرب، عدا شماله ، بقوة السلاح

هذه خريطة استيلاء المحتل الفرنسي، باختصار كبير جدا. أما التفصيل فيه، فيستحيل كتابته على محمل القلم الناشف، دون العروج لبناءات النصوص التاريخية ومضانها وتعدد الروايات والحكايا والسوالف الطويلة، التي ذهبت فيها أرواح ونزفت دماء وعذبت أجساد ودفنت تحت الثرى، دون أن يستدل عليها، حتى كتابة هذه الأحرف.

ما يعني صراحة، أن تاريخنا المروي حديثا، على مقربة من فارقة العصر الإمبريالي الاقطاعي، القادم من أوروبا تحديدا، لازال جزء عظيم منه، مقيدا بوثائق تذهل منها قلوب الإنسانية، وتخجل من ذكرها الأحافير والمكتشفات. ولو أن للقيامة أن تجري هاهنا، لفضحت أفاعيل يد المحتل الفرنسي، الذي أبدع في التعذيب والإبادة والذبح والقتل والتمثيل بالجثث، والتنكيل بالمقاومين. بل لطفقت من هولها الأساطير. وإن ما حكي عن طغاة الجاهلبة وعتاتها المستبدين لأقل بقليل مما وصل. مما يأنف العقل عن استيعابه ووصفه وكتابته.

التاريخ هنا لا يعيد نفسه، بذات الصفة التي لا يقبلها النظام الكوني المستحدث. لكن التقييم السوسيولوجي للأحداث التاريخية، يضعنا بإزاء قيمة البحث عن الهامشي، وعن المغيب بفعل فاعل متعطش للعداوة وإثارة الأحقاد.

يقول عبد الله العروي إن "التساؤل حول مفهوم التاريخ أمر جوهري وتافه في آن. هذا ما قاله ابن خلدون وهذا ما نؤكده اليوم.. جوهري لأنه قائم أينما اتجه الفكر، وتافه لأن منفعته غير واضحة لكل فرد متخصص، الخطاب موجه في ظاهره إلى المؤرخ، لكنه في العمق يستهدف كل مفكر..". 

إن جوهر إماطة اللثام عن حقائق تاريخ الاستعمار الفرنسي للمغرب، هو سيرورة فكرية، تنحو الإبقاء على قيم المعرفة بالتاريخ الواقع، مستهدفا المرامي العامة للوفاء بالتزامات الآن الراهن، واستعادة وهج الآتي بتقاطعاته وانزياحاته.

كما هو مسؤولية تدريسه للأجيال اللاحقة، بعيون توازي النظر في المآلات، والاعتبارات المفارقة للتأمل والقراءة الموجهة.

فليس خفيا أن نتبرأ سياسيا، في مواجهة زخم كبير من التأويلات التاريخية التي تشكل مأزقا حقيقيا لقراءة التاريخ كما هو. وهو أمر يخرج تماما عن سياقات تحقيق حد أدنى لقيم المواجهة مهما كانت قاسية.

يجب أن نفكر مليا في مدى استعدادنا لتقبل انزلاقتنا التاريخية، وأخطائنا، وغرائبنا التي أفرزتها نذوب لا تزال غرقى بوسوم المظالم والمغاصب.

يتعذر معرفة التاريخ بالواجهات السياسية المحنطة والغافلة عن عمق الأعمال الممارسة ضد الشعوب المستضعفة.

ويتعذر على كل من لا يستطيع تحمل أعباء ما مضى، من الافتراء والكذب والدس والتغييب المفرط للحقائق، أن ينقلب اليوم إلى مشعوذ ارتكاسي، يباهي منظومة الترويع وإعادة تشكيل صور الحماية بمرائي أخرى، ممتدة عبر العصر، ومتجوهرة بأفاعيل تقتعدها صنوف المبارزة بأوضاع أكثر تعقيدا وتلاؤما بالزمن وتحولات الإنسان.

إن استقلالنا الحقيقي، هو مفهوم القيمة لدى الحاضر، وإيصال تلكم القيمة إلى روح العقل البشري، حيث تنعم بفكرة التفوق الأخلاقي والمعرفي، وتواكب بالتجرد من قيود العوز الفكري والعقلاني، مجمل التحولات التي تنتظم في وحدة سريعة من الانتقالات، غير بعيد عن قراءتنا الجديدة لمعنى أن نكون مستقلين ومستوحشين للتنمية وإقامة المدينة.

إن عبور التاريخ الزمني على أنقاض المفهوم الأخلاقي والإنساني، سيثير فينا فورة الامتداد وزخم الانتماء واقتدارية التعلم من أخطاء الماضي. بيد أن استقصاء التاريخ عبر طفرة الانتقال من أطواره، وإعادة تقديمه كفعل خارج المعنى، سينقض المفهوم الجديد للقراءات السوسيولوجية الجديدة، في علم نفس التاريخ، وعلم الاجتماع التاريخي، وعلم الاجتماع السياسي أيضا ..

فهل تعود أدوار التفتيش عن مهمات التاريخ، كوازع اعتباري لمقاربة برنامج مشاكل التحديث والتغيير الاجتماعي، وتحليل حالات الصراع وإمكانية التغلب عليها؟ أم أننا سنبقى معلبين بحقائق منقوصة، ومجافية للنظر السديد والأمل الموعود؟

إن الاستقلال بالمعنى الحتمي للكلمة، سيفرض بدل مزيد من الارتقاء بالتدبير السياسي المبدع، بالتوق إلى خلق المعنى، وتكسير النوازع المحبطة، والاستقدام الأخلاقي المجسد للعقلانية والنزاهة والتفوق.