يكتبها مدير ورئيس التحرير مصطفى غلمان

قد يسأل البعض، لماذا كش بريس الآن؟ وبماذا يفكر أصحابها، خصوصا وأن المشهد الإعلامي، الرقمي على وجه الخصوص يشهد هبوطا أخلاقيا وقيميا خطيرا، مع ازدياد هامش الأخطاء وحوادث التلفيق وإلصاق التهم، مهما كان الحذر وكيفما كانت أحوال التقصي والتدقيق قبل النشر!

ليس معنى ذلك طبعا أن نتخلى عن رسالتنا التي خلقنا لأجلها، فقد أدينا ثمن كل ذلك ولا زلنا ندفع، ولم نيأس ولا تضعضعنا رغم الكيد والظلم الذي مورس علينا طيلة سنوات.

الآن، نقيم في بيت جديد، ونتأمل على الدوام كيف سيأوينا هذا البيت؟ وما سقفه؟ وكيف سيتكور بأحلامنا التي تستعيد يرقاتها الطائرة وهي واعية بخفقان الأجنحة وتربصها بالآفات والمتغيرات، والحدود المصطنعة، وكثبان الخوف المأسور بفعل الارتدادات المزلزلة التي تظهر كل يوم مع الغياب القسري للأصوات الإعلامية الحرة في وطن ينحدر إلى المجهول؟!.

نعم، نحن واعون بكل هذا الكم الهائل من الأحجار الثقيلة، والمتاهات الفارقة بين حد السماء والأرض، لم يظفر الإعلام ببلادنا – مع كل الأسف – على منطقة نفوذ آمنة تحت ظلاله، ولا جبرته مهازل زمن الرصاص، وسلطة التقتير والاندساس بين تلابيب نصوص القانون والضحك على الذقون؟!

واستوعبنا الدرس جيدا، لكننا عدنا للمربع القديم الجديد، نبحث عن فعل ما، حكمة تائهة في المجهول، فرادة عقلانية تنتج فكرا تنويريا للحرية والمساواة والكرامة.

ماذا يقع الآن؟

ومن يريد لهذا الوطن أن يظل رهينة بيد الأسئلة الحيرانة؟ الفراغ الكامن خلف معاول السلطة المفترسة؟

إن قسوة الراهن الإعلامي والحقوقي ليس سحابة عابرة ولا جدلا في برك اللبس والاستثناء، بل قعرا من الظلمة التي تأبى الانحراف عن قاعدة الاجتماع وتبادل الرأي، زيغا متطرفا مهووسا بالنكوص والسلبية المقيتة.

ويحمل هذا الهم الغاصب قلة مقلة من دعاة إنصاف قيم الإعلام وإعادة تصحيح تداعيات خسرانه وجنوحه إلى الهاوية. وهم على قلتهم يعانون ويلات الحصار المضروب عليهم، والتقطيع المستمر لجسومهم الثاوية، تحت سياط التجويع وقطع الأرزاق أحيانا، وأخرى بالاتهام الباطل والسجن المدسوس؟!

إن التفكير في تأسيس مقاولة إعلامية بهكذا وضعية، وبمثل تلكم الحوافز المقترة الهشة، يمكن أن يصيب أي ناظر عاقل بالتلف والحسرة، والعقوق للأم الحياة، بل الحيرة الغافلة التي لا تبرح بدنها البارد برودة الدم في عروق جائعة. فما بالك أن تؤمن بالتبرير والإخلاص للعماء الزائغ، والتحصن بالقيم التي لا تشكر رسلها وترمى بالحجارة أو أشد؟!

لقد فكرنا كثيرا جدا قبل الإقدام على هذه الخطوة، وهي لا تعكس صناعة لمهمة خارج المألوف، ولا وجها من أوجه التمرد وقيامة العبث. بل أثرا عميقا فيمن ظلوا أوفياء لمحبتنا المتبادلة.

كنت في الصيغة الإعلامية الإذاعية السابقة أبدو بصوتي الدافئ وصلصلته الشجية وقوته التشخيصية الصلبة أكثر انحشارا في واقع الاقتراب من نبض الشارع، فالراديو يماثل حجم الوعاء الذي تتضمخ بمغارمه حمائل الشكاوى ورغائبها. والإصغاء إلى القلب من خلاله هو تطويع لأدوات التوجيه والتحسيس والمراقبة والنقد والتأطير.

ولأن الأثير المباشر يمخر عباب الصمت وينسدل في المسام كالريح الصرصر العاتية، فإن الإيلاء الجديد في الأسطر المكتوبة بالدم والروح ليس تقليدا ثقافيا جديرا بالمضاهاة والتواتر، ويحتاج الإعلامي، مهما كان مألوفا في نظرات عشاقه إلى زمن يطوي مسافات الغياب وينثر الأطياف فسائل على مر التجارب وتجذرها في التربة الغضة العذراء.

إن فكرة الكتابة أو التطويع التفاعلي الحديث لسلطة الإعلام، ليست سوى هدف لتسويغ مآلية موضوع انصراف ومحايثة للقادم والصيرورة ومحاولة الاستيعاب وتقصد الفعل مهما كان ظرفيا أو محطة عبور أو ما شاكل ذلك من شرطية حرف العطف " حتى"!

ولهذا يكون الأجدر دائما البحث عن حوافز خارج السياقات المتعارف عليها، أو هي من أدبيات ضبط نظام ثقافي يضمن استمراريته ورهاناته انطلاقا من مؤسسات الشخصية الفاعلة، ودورها في ترسيم خطوات الوسيلة الإعلامية واستراتيجية عملها.

إن الاحتضان الجديد للتجارب الإعلامية، في ظل تحرير كوكب المعلوميات ورقمنة المعطيات وخزنها وإعادة تدويرها ونشرها، هو مغامرة قبل أي شيء آخر، عدا كونه يجسد نفقا لامرئيا وسط حشود عظيمة من الأفاعي. وإن التموقع داخل هذه الجغرافيا ضيقة الأفق القيمي، والشاسعة من حقول ألغام وأشواك، يحاكي كوة النار أو القبض على الجمر، غير أن الإحساس بقيمة الإنصات للآخرين وخدمتهم، وتشبيك أهداف التواصل بين الباحثين عن التغيير والإصلاح، ليضيف إلى مساحة اللامعقول في قطاع ضارب في الجهلانية ونافق منكوس، شيئا من التحدي وقطعا من المواساة وشفيرا من الأحلام.

ولعله الطوق الذي يجعلنا نتحفز لضمان مكان صغير في هذا الركام التشويهي المسعور، نجدد الطاقة ونوقظ الوشيجة في الجسد ونحاول الصمود ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

وذلك الشعار الذي تخطه أيادينا لقلوبنا التي تعشقه وتؤمن به " الحرية شرط والحقوق متساوية" هو قراءة لواقع وتأطير لفكرة وبناء لهدف. ومن الإنصاف والعدل أن نستشعر منافذ الائتمان بوجوديته وكيانيته، حتى لا نظل السبيل إليه أو الوصول إلى منتهاه.

لن نتنازل عن قيمنا التي هي جزء من مكاسب الأمس، وسنتحمل ونبلغ المستحيل لأجل الحفاظ على ما تبقى من النخوة والمروءة والكرامة الإنسانية التي فقدت في ضجيج من الأهواء والغرائز والضمور الرؤيوي لأبسط قواعد الوفاء والوعي الاجتماعي.

أما أنتم/ أنتن مستمعي الأوفياء وقرائي الغيورين ستكونون الوعد الذي أقطعه على نفسي والظهر الذي أسند به جسارتي، والحضن الساكن الذي آوي إليه كلما جد جديد وران على الأرض شيء مريب.

فباسم الله توكلنا وعلى الله نستمد القوة والصبر والإيمان على الشدائد.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.