افتتاحية (كش بريس) : عندما تكون الهاكا خارج سياق النقاش العمومي في قضية أخلاقية محضة 

عندما فكرت هيئة الدفاع بالمرصد الدولي للإعلام وحقوق الإنسان، بوضع شكاية بمكتب الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، مجابهة بذلك وقاحة مضمون سلسلة كوميدية تافهة، والذي تبثه القناة الأولى خلال الشهر الفضيل، حيث تعرض في إحدى مشاهدها المقززة، وبلغة دارجة ركيكة، كلاما سمجا حاطا بمهنة المحاماة، باعتبار ذلك يشكل حسب مدلول الشكاية، "إهانة لبذلتها إضافة إلى تصوير شخصية المحامي في غير محلها في صورة اهتز لها جسم المحاماة بأكمله"، فإنما تطمر في عمق تحريكها الشكاية، النظر في مستوى الخطاب الفني، وروحه الأخلاقية الموجهة للناشئة، ولمن هو دون تحمل تبعات ما تهرطقه مجاهل نص مليء بالأخطاء والخطايا، ومحشو بالفقر التخييلي والأبنية الحوارية الخفيفة الذكية.

وبغض النظر عما يمكن أن تؤوله خلفيات الشكاية، وأبعادها القانونية والحقوقية، وارتباطها بشكل مباشر بممكنات تأطيرية، من داخل أعلى مبادئ الدستور وروافده المقايسة لمفاهيم الحرية والتعبير وضمان الحق في ترتيب كل ذلك على مهمات الفنون والإبداع، فإن الهاكا لم تناقش في بلاغها الذي كان يعتريه خلل الإسقاط الفج والمواءمة المفتعلة، تحت طائلة التماهي مع "نص" كوميدي خارج السياق، وبعيدا عما تأسس عليه بلاغها، من أنها "مؤتمنة على السهر على احترام هذه الحرية وحمايتها كمبدأ أساسي، مع الحرص على احترام كل المضامين المبثوثة سواء كانت تخييلية أو إخبارية أو غيرهما، للحقوق الإنسانية الأساسية، على غرار عدم المس بالكرامة الإنسانية، واحترام مبدأ قرينة البراءة، وعدم التحريض على العنصرية أو الكراهية أو العنف، وعدم التمييز ضد المرأة أو الحط من كرامتها، وعدم تعريض الطفل والجمهور الناشئ لمضامين تنطوي على مخاطر جسدية، نفسية أو ذهنية، وعدم التحريض على سلوكات مضرة بالصحة وبسلامة الأشخاص.."؟

فهل ائتمنت الهاكا حقا، على تقدير حدود هذه الحرية المجزوءة والمفاقمة لبتر قيمة الحرية وانتقائيتها؟ 

وهل يكون من اللازم ضرب الحدود المعقولة من هذه الحرية التي لا ترى لها وجها في سانحة الأعراف والتقاليد وأخلاق المجتمع، مع ما يعنيه ذلك من تقويض وتعسف واعتاداء على حقوق المشاهد، الذي يدفع ضرائبا مقابل عروض تلفزية لا علاقة لها بما لاكته الهاكا في بلاغها، من الخيال المنتج الإيجابي، ورقي الخطاب وصنيع الإبداع الفني؟

ثم هل المخاطر الجسدية والنفسية والذهنية، التي يتعرض لها الطفل والجمهور الناشئ، بعيدة عما اعتملته السلسلة الكوميدية، بعبثيتها واختلاط العقل فيها ونفورها وتحريفها لتخاطيات السلوك والنفس وتكريس التفاهة والسقوط في براتن التعتيم القيمي والبذاءة المعسرة؟

إن بلاغ مجلس الهاكا مليء بالديماغوجيا والاستخفاف.

ما معنى أن تقول، أن إعمال الرقابة القبلية تجاه الأعمال التخييلية أو بالتدخل البعدي لوقف بثها، يحيل على تمثل غير دقيق لمفهوم تقنين المضامين الإعلامية وللانتداب المؤسسي للهيأة العليا للاتصال السمعي البصري؟!

هذا هراء، وضحك على الذقون.

الموضوع، ليس في حرية التخييل. ولا يرتبط بتاتا، بما تمخض في اجتماع الهيئة الشاردة عما يناقشه الرأي العام والإعلام الوطني .

القضية، قضية إفلاس قيمي. عقم سقيم من الضعف والعجز الإبداعي.

الهاكا لا تناقش المضامين، فهي ليست مدرسة للتربية والتعلمات، ولا علاقة لها بمبادئ البيداغوجيا، أو أخلاق المجتمع.

هي قناة تجسد أكبر مدافع عن الباطرونا. في مؤسسات الإعلام وداخل خوازيق الرأسمالات الضخمة والنافذة في الحرس المخزني؟!

لم يكن لدي أي شك في أن الهاكا ستقدم على إتلاف شكايات المواطنين الغاضبين على ما تفرضه شاشاتنا الجاهلة من مواد تخريبية سامة.

والدليل بلاغها اليوم الذي يتفاعل مع كل مستويات الخطاب، بما فيه الخطاب التكريسي التبريري الغامض والسمج، إلا خطاب الإقناع، فإنه بعيد عنها أشد ما يكون؟!

صحيح ما قالته الحكمة ( لن تستطيع أن تمنع طيور الهمّ أن تُحلّق فوق رأسك، ولكنك تستطيع أن تمنعها أن تُعشّش في رأسك).